الآية (133-136): ثم نَدَبهم إلى المبادرة إلى فعْل الخيرات والمسارعة إلى نَيْل القُرُبات، فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: كما أُعدّت النار للكافرين. وقد قيل: إن [في] معنى قوله: ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ تنبيهًا على اتساع طولها، كما قال في صفة فَرْشِ الجنة: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن:54]، أي: فما ظنُّك بالظهائر. وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبّة تحت العرش، والشيء المُقَبَّب والمستدير عَرْضُه كطوله. وقد دلَّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: «إِذَا سَأَلْتُمُ الجنة فَاسْأَلُوهُ الفردوس، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْـجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْـجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْـجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ» [رواه البخاري]. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية [الحديد:21]. ثم ذكر تعالى صِفَة أهل الجنة، فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ أي: في الشدة والرخاء، والمَنْشَط والمَكْرَه، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾ [البقرة:274]. والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمْرٌ عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مَرَاضِيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.
وقوله: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كَظَمُوه، بمعنى: كتموه فلم يُعمِلوه، وعفَوا مع ذلك عمّن أساء إليهم. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [متفق عليه]. وعن جَارية بن قُدامة السعدي؛ أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا ينفعني وأقْلِل عليّ، لَعَلِّي أَعِيْهِ. فقال رسول الله ﷺ: «لا تَغْضَبْ». فأعاد عليه، حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: «لا تَغْضَبْ» [رواه أحمد، وصححه الألباني].
فقوله: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ أي: لا يُعمِلُون غَضَبَهم في الناس، بل يكفّون عنهم شرّهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل. ثم قال: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ أي: مع كف الشرّ يعفُون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مَوْجِدَةٌ على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فهذا من مقامات الإحسان. وفي الحديث: «ثلاثٌ أُقْسِمُ عليهن: ما نقص مالٌ مِن صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عِزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن رجلًا أذنب ذَنْبًا، فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفِرْهُ. فقال الله: عبدي عمل ذنبًا فعَلِمَ أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به. قد غفرتُ لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: ربِّ إني عملتُ ذنبًا فاغفِره. فقال تبارك وتعالى: عَلِم عبدي أن له رَبًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غَفَرَتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لي. فَقَالَ عز وجل: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ عز وجل: عَبْدِي عَلِمَ أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ». [متفق عليه]. ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة، لِما [رُوي] عن عمر عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أو: فَيُسْبِغَ- الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْـجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ» [رواه مسلم]. ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه. وقوله: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية وَيُصِرُّوا عليها غير مُقْلِعِين عنها، ولو تَكَرر منهم الذنب تابوا عنه. وقوله: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عُمَير: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن مَن تاب تاب الله عليه. وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ [التوبة:104]، وكقوله: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء:110]، ونظائر هذا كثيرة جدًّا. ثم قال تعالى بعد وَصْفِهِمْ بما وَصَفَهُم به: ﴿ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات ﴿ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: من أنواع المشروبات ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ يمدح تعالى الجنة.
الآية (137-140): يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل منهم سبعون: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ أي: قد جَرَى نحو هذا على الأُمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين؛ ولهذا قال: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾. ثم قال: ﴿ هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: القرآن فيه بيان للأمور على جَلِيّتها، وكيف كان الأُمَمُ الأقدمون مع أعدائهم ﴿ وَهُدًى ﴾ يعني: القرآن فيه خَبَرُ ما قبلكم وهُدًى لقلوبكم ﴿ وَمَوْعِظَةٌ ﴾ أي: زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال مُسلِّيًا للمؤمنين: ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾ أي: لا تَضعُفوا بسبب ما جرى، ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: العاقبة والنُّصرة لكم أيها المؤمنون. ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ ﴾، أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك مِن قتلٍ وجراح، ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ أي: نُديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم، لِـما لنا في ذلك من الحكمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قال ابن عباس: في مثل هذا لِنَرَى من يَصبر على مُناجزة الأعداء. ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ يعني: يُقْتَلُون في سبيله، ويَبْذُلون مُهَجَهُم في مرضاته. ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾.