حجم الخط:

الآيات (138-142)

الآية (138): قال ابن عباس: «الحِجْرُ»: الحرام؛ ممَّا حرَّموا، من الوصيلة، وتحريم ما حرَّموا. وكذلك قال مجاهد، وقتادة، وغيرهما. وقال السُّدي: ﴿ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ يقولون: حرام أن نُطعم إلا من شئنا. وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن نتجوا، ولا إن عملوا شيئًا. ﴿ افْتِرَاءً عَلَيْهِ أي: على الله، وكذبًا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعته؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رَضيه منهم، ﴿ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ أي: عليه، ويُسْندون إليه.

الآية (139): قال ابن عباس: ﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا قال: اللبن؛ كانوا يحرّمونه على إناثهم، ويشربه ذُكرانهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تُرِكَت فلم تُذبح، وإن كانت ميتةً فهم فيه شركاء. فنهى الله عن ذلك. وقال مجاهد في قوله: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ أي: قولهم الكذب في ذلك؛ يعني قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116]. ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ﴿ عَلِيمٌ بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء.

الآية (140): يقول تعالى: قد خَسِرَ الذين فعلوا هذه الأفعال في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [يونس:69].

الآية (141-142): يقول تعالى بيانًا لأنه الخالق لكل شيء من: الزروع والثمار والأنعام التي تصرَّف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة وقسَّموها وجَزَّءوها، فجعلوا منها حرامًا وحلالًا، فقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ عن ابن عباس: ما عَرَّشَ من الكَرْمِ، ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ما لم يُعَرّش من الكرم. وكذا قال السُّدي. وقال ابن جُرَيْج: ﴿ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ قال: متشابه في المنظر، وغير متشابه في الطعم. وقال محمد بن كَعْب: ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ قال: من رُطَبِهِ وعنَبه. وقوله: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال ابن جرير: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة. وعن أنس بن مالك قال: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ قال: الزكاة المفروضة. وقال ابن عباس: يعني: الزكاة المفروضة، يوم يُكَال ويُعْلَم كَيْلُه. وكذا قال سعيد بن المسيب، وطاووس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والحسن، والضحاك، وابن جُرَيْج. وروى الإمام أحمد عن جابر أن النبي أمَرَ مِن كلِّ جَادٍّ عَشْرَةَ أوسُق من التمر، بقِنْو يُعَلَّق في المسجد للمساكين [وإسناده جيد قوي]. وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار. وقال آخرون: هو حقٌّ آخر سوى الزكاة. وقال مجاهد: عند الزرع يُعْطِي القَبْضَة، وعند الصِّرَامِ يُعْطِي القَبْضَة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام. وقال سعيد بن جبير: كان هذا قبل الزكاة: للمساكين، الْقَبْضَةُ الضِّغْثُ لِعَلْفِ دَابَّتِه. وقال آخرون: هذا كان واجبًا، ثم نَسَخَهُ الله بالعُشر ونصف العُشر. حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. واختاره ابن جرير. قلت: وفي تسمية هذا نسخًا نَظَر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فُصِّلَ بيانُه وبُيِّن مِقْدَارُ الْـمُخْرَجِ وكمِّيّتُه. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم. وقوله: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قيل: معناه: ولا تُسْرِفُوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف. وقال عطاء: نُهوا عن السَّرَف في كل شيء. وقال السُّدي: لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء. وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب، في قوله: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم. ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نَهْيٌ عن الإسراف في كل شيء. ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر -والله أعلم- من سياق الآية حيث قال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا أن يكون عائدًا على الأكل، أي: ولا تسرفوا في الأكل؛ لما فيه من مضرة العقل والبدن، وفي صحيح البخاري تعليقًا: «كلوا واشربوا، والبسوا وتصدّقوا، في غير إسراف ولا مخيلة» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. وهذا من هذا، والله أعلم. وقوله: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يُحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها. كما قال عبد الله: ﴿ حَمُولَةً ما حُمل عليه من الإبل، ﴿ وَفَرْشًا الصغار من الإبل. و[كذا] قال ابن عباس ومجاهد. وقال ابن عباس: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا فأما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يُحمل عليه، وأما الفرش فالغنم. واختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سُمّي فرشًا لدنوّه من الأرض. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافًا وفرشًا. وهذا الذي قاله عبد الرحمن -في تفسير هذه الآية الكريمة حسَن، يشهد له قوله تعالى: ﴿ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:72]. وقوله: ﴿ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي: من الثمار والزروع والأنعام، فكلُّها خلقها الله وجعلها رزقًا لكم، ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ أي: طرائقه وأوامره، كما اتَّبعها المشركون الذين حرَّموا ما رزقهم الله، أي: من الثمار والزروع افتراءً على الله، ﴿ إِنَّهُ أي: إن الشيطان -أيها الناس- ﴿ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي: بَيِّنٌ ظاهرُ العداوة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]. والآيات في هذا كثيرة في القرآن.