الآية (14): ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا ﴾ أي: في ظاهر أَمْرِهم، ﴿ وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ﴾ أي: عَلِمُوا في أنفسهم أنها حقٌّ من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها ﴿ ظُلْمًا ﴾ أي: ظلمًا من أنفسهم، سجيةً ملعونةً، ﴿ وَعُلُوًّا ﴾ أي: استكبارًا عن اتِّباع الحقِّ؛ ولهذا قال: ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبةُ كفرهم، في إهلاك الله إيَّاهم، وإغْرَاقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة. وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذِّبون بمحمد، الجاحدون لِـمَا جاء به من رَبِّه، أن يُصِيبَكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن محمدًا ﷺ أَشرَف وأعْظَم من موسى، وبرهانه أدَلُّ وأقوى من برهان موسى، بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سَبَقَه من البشارات من الأنبياء به، وأَخْذِ المواثيق له، عليه من رَبِّه أفضل الصلاة والسلام.
الآية (15-19): يخبر تعالى عمَّا أَنْعَمَ به على عَبْدَيْه ونَبِيَّيه داود وابنه سليمان -عليهما من الله السلام- من النعم الجزيلة، والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جَمَعَ لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والـمُلْك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
وقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ أي: في الـمُلْك والنبوة، وليس المراد وراثة المال؛ إذ لو كان كذلك لم يَخُصَّ سليمانَ وحده من بين سائر أولاد داود؛ فإنه قد كان لداود مائة امرأة. ولكن المراد بذلك وراثة الـمُلْك والنبوة؛ فإن الأنبياء لا تُوَرَّث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: «نحن معشر الأنبياء لا نُورَثُ، ما تركناه صدقةٌ» [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ﴾ أي: أَخْبَرَ سليمان بنِعَم الله عليه، فيما وَهَبَه له من الـمُلْك التَّام، والتمكين العظيم، حتى إنه سَخَّرَ له الإنس والجن والطير. وكان يَعرِف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يُعْطَه أحدٌ من البشر -فيما عَلِمْناه- ممَّا أَخبَر الله به ورسوله. ﴿ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: ممَّا يَحتَاج إليه الـمَلِك.
﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ أي: الظاهر البَيِّن لله علينا.
﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: وجُمِع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير، يعني: رَكِبَ فيهم في أُبَّهَةٍ وعَظَمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يَلُونَه، والجنُّ وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حَرًّا أَظَلَّته منه بأجنحتها. وقوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يَكُفُّ أَوَّلُهُم على آخرهم؛ لئلا يَتَقَدَّمَ أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جَعَل على كل صِنْف وَزَعَةً، يَرُدُّون أُولَاها على أُخْرَاها، لئلا يَتَقَدَّمُوا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم. وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ ﴾ أي: حتى إذا مَرَّ سليمان عليه السلام بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي: خافت على النمل أن تَحْطِمَها الخيول بحَوَافِرها، فأَمَرَتْهُم بالدخول إلى مساكنها، فَفَهِم ذلك سليمان عليه السلام منها ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ أي: أَلْـهِمْني أن أَشْكُر نعمتك التي مَنَنْتَ بها عليَّ، من تعليمي مَنطِقَ الطير والحيوان، ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ بالإسلام لك، والإيمان بك، ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾ أي: عملًا تُحِبُّه وترضاه.
﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ أي: إذا تَوَفَّيتني فأَلحِقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.
والغرض: أن سليمان عليه السلام فَهِم قولها وتَبَسَّم ضاحكًا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدًّا. وقد ثَبَت عند مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «قَرَصَت نَبِيًّا من الأنبياء نملةٌ، فأَمَرَ بقرية النَّمل فأُحْرِقَت، فأوحى الله إليه، أفي أن قَرَصَتْكَ نملةٌ أَهلَكْتَ أمةً من الأمم تُسَبِّح؟! فَهَلَّا نملةً واحدةً!».
الآية (20-21): قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما، عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسًا، يَدُلُّ سليمان عليه السلام على الماء؛ إذا كان بأرض فلاة طَلَبَه فنَظَرَ له الماء في تُخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بُعْدِه من وَجْه الأرض، فإذا دَلَّـهُم عليه أَمَرَ سليمان عليه السلام الجانَّ فحَفَروا له ذلك المكان، حتى يستنبط الماء من قراره، فنَزَل سليمان عليه السلام يومًا بفلاةٍ من الأرض، فتَفَقَّدَ الطير لِيَرَى الهدهد، فلَمْ يَرَه؛ ﴿ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴾. حَدَّثَ يومًا عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: «نافع ابن الأزرق»، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قِفْ يا ابن عباس، غُلِبْتَ اليوم! قال: ولِـمَ؟ قال: إنك تُخبِر عن الهدهد أنه يَرَى الماء في تُخُوم الأرض، وإن الصبي ليَضَع له الـحَبَّةَ في الفَخِّ، ويَحثُو على الفَخِّ ترابًا، فيَجِيء الهدهد ليأخذَها فيَقَعُ في الفَخِّ، فيَصِيدُه الصَّبِي. فقال ابن عباس: لولا أن يَذْهَبَ هذا فيقول: رَدَدْتُ على ابن عباس، لَـمَا أجبتُه. [ثم] قال له: وَيْحَكَ! إنه إذا نَزَل القدَر عَمِيَ البَصَر، وذَهَبَ الـحَذَر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا.
وقوله: ﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ قال ابن عباس: يعني نَتْفَ رِيشِه. وقوله: ﴿ أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ﴾ يعني: قتله، ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ بعُذْرٍ واضح بَيِّن.
الآية (22): ﴿ فَمَكَثَ ﴾ الهدهد ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: غاب زمانًا يسيرًا ثم جاء، فقال لسليمان: ﴿ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ أي: اطلعتُ على ما لم تَطَّلِع عليه أنت ولا جنودك، ﴿ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ أي: بخبر صِدْقٍ حَقٍّ يَقِين. وسَبَأ: هم: حِمْيَر، وهم ملوك اليمن.