الآية (143-144): وهذا بيانٌ لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حَرّموا من الأنعام، وجعلوها أجزاءً وأنواعًا: بحيرة، وسائبة، ووصيلة وحامًا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبَيَّن أنه تعالى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولةً وفرشًا. ثم بَيَّن أصناف الأنعام إلى: غنم وهو بياض، وهو الضَّأن، وسواد وهو المعز، ذَكَرُه وأُنْثَاه، وإلى إبل، ذكورها وإناثها، وبقر كذلك. وأنه تعالى لم يُحرّم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولادها. بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلًا وركوبًا وحمولةً وحلبًا وغير ذلك من وجوه المنافع؛ كما قال: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ الآية [الزمر:6]. وقوله: ﴿ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ رَدٌّ عليهم في قولهم: ﴿ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ ﴾ [الأنعام:139]. وقوله: ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: أخبروني عن يقين: كيف حرَّم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟! وقوله: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ﴾ تَهَكُّمٌ بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك، ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لا أحد أظلم منه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. وأوَّل من دخل في هذه الآية: عمرو بن لُـحَيّ؛ فإنه أوَّل من غيَّر دين الأنبياء، وأول من سيَّب السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي كما ثبت في الصحيح.
الآية (145): يقول تعالى آمرًا عبده ورسوله محمدًا صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ قُلْ ﴾ لهؤلاء الذين حرَّموا ما رزقهم الله افتراء على الله: ﴿ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ أي: آكلٍ يأكله. قيل: معناه: لا أجد شيئًا ممَّا حرَّمتم حرامًا سوى هذه. وقيل: معناه: لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه. فعلى هذا يكون ما وَرَدَ من التحريمات بعد هذا في سورة «المائدة»، وفي الأحاديث الواردة، رافعًا لمفهوم هذه الآية. ومن الناس من يُسمِّي ذلك نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنه من باب رفع مباح الأصل، والله أعلم. وقال ابن عباس: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ يعني: المهراق. وقال عِكْرِمة في قوله: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ لولا هذه الآية لتتبّع الناس ما في العُرُوق، كما تتبَّعه اليهود. وقال قتادة: حرّم من الدماء ما كان مسفوحًا، فأما لحمٌ خالطه دم فلا بأس به. وقوله: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ أي: فمن اضطر إلى أكل شيء ممَّا حُرّم في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبّس ببغي ولا عدوان ﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: غفور له، رحيم به. والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البَحِيرة والسائبة والوصيلة والحام، ونحو ذلك، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرّم، وإنما حُرِّم ما ذُكر في هذه الآية من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أُهِلّ لغير الله به. وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفوٌ مسكوتٌ عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام، ومن أين حرّمتموه ولم يحرمه الله؟! وعلى هذا فلا يُنفَى تحريم أشياء أُخَر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحُمر ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير، على المشهور من مذاهب العلماء.
الآية (146): قال ابن جرير: يقول تعالى: وحرمنا على اليهود ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنعام والأوز والبطّ. قال ابن عباس: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ ﴾ وهو البعير والنعامة. وكذا قال مجاهد. وقوله: ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ قال السُّدي: يعني: الثَرْب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول: إنه حَرَّمه إسرائيل فنحن نُحرِّمه. وكذا قال ابن زيد. وقال قتادة: الثَرْب وكل شحم كان كذلك ليس في عظم. وقوله: ﴿ أَوِ الْحَوَايَا ﴾ قال الإمام ابن جرير: ﴿ الْحَوَايَا ﴾ جمع، واحدها حاوياء وحاوية وحَوِيَّة، وهو ما تحَوَّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي «المباعر»، وتسمى «المرابض»، وفيها الأمعاء. قال: ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما وما حملت الحوايا. وقوله: ﴿ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ أي: وإلا ما اختلط من الشحوم بالعظام فقد أحللناه لهم. وقال ابن جُرَيْج: شحم الألية اختلط بالعُصْعُص، فهو حلال. وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم، فهو حلال، ونحوه قال السُّدي. وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ﴾ أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به، مجازاة لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [النساء:160]. وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ أي: وإنا لعادلون فيما جزيناهم به. وقال ابن جرير: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به -يا محمد- من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرَّمه على نفسه، والله أعلم. وقال ابن عباس: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سَمُرَة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة! ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود، حُرّمَت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» [متفق عليه]. وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: «إن الله ورسوله حَرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يُدهن بها الجلود ويُطلى بها السفن، ويَسْتَصبِح بها الناس. فقال: «لا، هو حرام». ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله لَـمَّا حرَّم عليهم شحومها جَمَلوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه» [متفق عليه].