حجم الخط:

الآيات (148-154)

الآية (148): قال عن ابن عباس: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ، وإنْ صبَر فهو خير له. وقال الحسن البصري: لا يدعُ عليه، وليقل: اللهم أعنّي عليه، واستخرِجْ حقي منه. وقال عبد الكريم بن مالك الـجَزَري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه؛ لقوله: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:41]، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فقال له: «أَخرِج متاعك فضعه على الطريق». فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فجعل كل من مَرّ به قال: ما لَك؟ قال: جاري يؤذيني. فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه. قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، وقال: لا أوذيك أبدًا» [رواه أبو داود، قال الألباني: حسن صحيح].

الآية (149): ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا أي: إن تُظهروا -أيها الناس- خيرًا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه؛ فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم. وفي الحديث الصحيح: «ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه الله» [رواه مسلم].

الآية (150-152): يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى؛ حيث فَرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهّي والعادة وما ألْفَوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك؛ فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية. والمقصود: أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء؛ فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهّي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: في الإيمان ﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا أي: طريقًا ومسلكًا. ثم أخبر تعالى عنهم، فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا أي: كُفرهم محقق لا محالة بمن ادّعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًا؛ إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسولَ الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، لو نظروا حق النظر في نبوّته. وقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا، مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته؛ كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ؛ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأُخروي: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61] في الدنيا والآخرة.

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني بذلك: أمة محمد ؛ فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي بعثه الله. ثم أخبر تعالى بأنه قد أعدّ لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل، والعطاء الجميل، فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي: لذنوبهم، أي: إن كان لبعضهم ذنوب.

الآية (153-154): قال قتادة: سأل اليهود رسول الله أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صُحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به! وهذا إنما قالوه على سبيل التعنُّت والعناد والكفر والإلحاد، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ أي: بطغيانهم وبغيهم، وعُتوّهم وعنادهم. ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى عليه السلام في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليَمّ، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ الآيتين [الأعراف:138-139]. ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة «الأعراف» وفي سورة «طه» بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله عز وجل، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه: أن يقتُلَ من لم يعبد العجل منهم مَن عَبَدَه، فجعل بعضهم يقتل بعضًا، فقال الله عز وجل: ﴿ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا . قوله: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى عليه السلام، رفع الله على رؤوسهم جبلًا، ثم أُلزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم! كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [الأعراف:171].

قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل؛ فإنهم أُمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سُجَّدًا، وهم يقولون: حِطّة. أي: حُطّ اللهم عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونُكولنا عنه، حتى تُهْنَا في التِّيْه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة!

قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرّم الله عليهم ما دام مشروعًا لهم ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا أي: شديدًا، فخالفوا وعَصَوْا وتحيّلوا على ارتكاب مناهي الله عز وجل.