الآية (15-16): لَـمَّا ذَكَر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عَطَف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن؛ كقوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء:23] وقال: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان:14]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال ههنا: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ﴾ أي: أَمَرْنَاه بالإحسان إليهما والـحُنُوِّ عليهما. عن سعد [بن أبي وقاص] قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أَمَرَ الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعامًا، ولا أَشْرَب شرابًا حتى تكفر بالله. فامتنعَت من الطعام والشراب، حتى جَعَلوا يفتحون فاها بالعصا، ونَزَلَت هذه الآية: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ الآية [العنكبوت:8] [رواه مسلم].
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ أي: قاسَتْ بسببه في حال حمله مَشَقَّةً وتَعَبًا، من وِحَام وغشيان وثِقَلٍ وكَرْب إلى غير ذلك ممَّا تَنَالُ الحوامل من التَّعَب والـمَشَقَّة، ﴿ وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ أي: بمَشَقَّةٍ أيضًا من الطَّلْق وشِدَّته، ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ وقد استدل عَلِيٌّ بهذه الآية مع التي في لقمان: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ [لقمان:14]، وقوله: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة:233]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح. ووافَقَه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ╚. ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ أي: قَوِيَ وشَبَّ وارْتَجَلَ ﴿ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ أي: تَنَاهَى عَقْله وكَمُلَ فَهْمُه وحِلْمُه. ويُقَال: إنه لا يَتَغَيَّر غالبًا عمَّا يكون عليه ابن الأربعين. ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ أي: أَلْهِمْنِي ﴿ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾ أي: في المستقبل، ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ أي: نَسْلِي وعَقِبِي، ﴿ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ وهذا فيه إرشاد لمن بَلَغَ الأربعين أن يُجَدِّدَ التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويَعْزِم عليها.
قال الله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ أي: هؤلاء المتَّصِفون بما ذَكَرْنا، التائبون إلى الله المنيبون إليه، المستدركُون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين يَتَقَبَّل عنهم أَحْسَن ما عَمِلُوا، ويَتَجَاوَز عن سيئاتهم، فيَغْفِر لهم الكثير من الزَّلَل، ويَتَقَبَّل منهم اليسير من العمل، ﴿ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ﴾ أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وَعَدَ الله من تاب إليه وأناب؛ ولهذا قال: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾.
الآية (17-20): لَـمَّا ذَكَر تعالى حال الدَّاعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز والنجاة، عَطَف بحال الأشقياء العاقِّين للوالدين فقال: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ﴾ وهذا عامٌّ في كلِّ من قال هذا، ومن زَعَم أنها نَزَلَت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أَسْلَم بعد ذلك وحَسُنَ إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
وإنما هذا عامٌّ في كل من عَقَّ والديه وكَذَّبَ بالحقِّ، فقال لوالديه: ﴿ أُفٍّ لَكُمَا ﴾ عَقَّهُمَا.
وعن يوسف بن مَاهَك قال: كان مَرْوان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخَطَب وجَعَل يَذْكُر يزيد بن معاوية لكي يُبَايَع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خُذُوه. فدَخَل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أُنزِل فيه: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أَنزلَ الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أَنْزَلَ عُذرِي [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ﴾ أي: أُبْعَث، ﴿ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ﴾ أي: قد مَضَى الناس فلم يَرجِع منهم مُخْبِر، ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ ﴾ أي: يسألان الله فيه أن يَهدِيَه ويقولان لولدهما: ﴿ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ قال الله: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾ أي: دَخَلُوا في زُمْرَة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة.
وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ بعد قوله: ﴿ وَالَّذِي قَالَ ﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جِنْسٌ يَعُمُّ كل من كان كذلك. وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاقُّ لوالديه، الـمُكَذِّب بالبعث.
وقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ أي: لكلٍّ عذاب بحَسَب عمله، ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات النار تذهب سِفَالًا، ودرجات الجنة تذهب عُلُوًّا.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾ أي: يُقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا. وقد تَوَرَّعَ عمر ابن الخطاب عن كثير من طيِّبَات المآكل والمشارب، وتَنَزَّه عنها، ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله تعالى لهم وقَرَّعهم: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾.
وقال أبو مِجْلَز: ليَتَفَقَّدَنَّ أقوامٌ حَسَناتٍ كانت لهم في الدنيا، فيُقَال لهم: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ﴾.
وقوله: ﴿ فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ فجُوزُوا من جنس عملهم، فكما نَعَّموا أنفسَهم واستكبروا عن اتباع الحقِّ، وتَعَاطَوُا الفِسْقَ والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الـهُون، وهو الإهانة والخِزْيِ والآلام الموجِعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدَّرَكات المفظِعة، أجارنا الله من ذلك كله.