الآية (150-151): يخبر تعالى أن موسى عليه السلام رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أَسِف. قال أبو الدرداء «الْأَسَفُ»: أشدُّ الغضب. ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ ﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبتُ وتركتُكم.
وقوله: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدّر من الله تعالى؟ وقوله: ﴿ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ في هذا دلالة على ما جاء في الحديث: «ليس الخبر كالـمُعَايَنَة» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. ثم ظاهر السياق أنه إنَّما ألقى الألواح غَضَبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سَلَفًا وخَلفًا.
وقوله: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ خوفًا أن يكون قد قَصَّر في نهيهم؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه:92-94]، وقال ههنا: ﴿ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: لا تَسُقْني مَسَاقَهم، ولا تجعلني معهم. وإنما قال: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ لتكون أرقَّ وَأَنْجَعَ عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه. فلمَّا تحقَّق موسى عليه السلام براءة ساحة هارون عليه السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴾ [طه:90]، فعند ذلك قال موسى: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾. وروى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَيْسَ الْـمُعَايِنُ كَالْـمُخْبَرِ؛ أَخْبَرَهُ رَبُّهُ عز وجل أَنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا بَعْدَهُ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا رَآهُمْ وَعَايَنَهُمْ أَلْقَى الْأَلْوَاح» [أخرجه أحمد، والحاكم وصححه الألباني].
الآية (152-153): أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو: أن الله تعالى لم يَقبل لهم توبة حتى قَتَل بعضهم بعضًا؛ كما تَقدَّم في سورة البقرة: ﴿ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة:54].
﴿ وَذِلَّةٌ ﴾ فأعقبهم ذلك ذُلًّا وصغارًا ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾.
وقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة؛ فإنّ ذُلَّ البدعة ومخالفة الرشاد مُتَّصِلَةٌ من قَلْبِهِ على كتفيه؛ كما قال الحسن البصري: إنّ ذلَّ البدعة على أكتافهم، وإن هَمْلَجَت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين. وهكذا روى أيوب السَّخْتَيَاني، عن أبي قِلابة الجَرْمي، أنه قرأ هذه الآية: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ قال: هي والله لكل مُفتَرٍ إلى يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل.
ثم نبَّه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان مِن كُفر أو شرك أو نفاق أو شقاق؛ ولهذا عَقَّبَ هذه القصة بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ ﴾ أي: يا محمد، يا رسول التوبة ونبي الرحمة، ﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾ أي: من بعد تلك الْفِعْلَة ﴿ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يزني بالمرأة، ثم يَتَزَوَّجُها! فتلا هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، فتلاها عبد الله عشر مرات، فلم يأمرهم بها ولم يَنْهَهُمُ عنها [قال محقق عمدة التفسير: إسناده صحيح].
الآية (154): يقول تعالى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ﴾ أي: غضبه على قومه ﴿ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ﴾ أي: التي كان ألقاها من شِدَّة الغضب على عبادتهم العجل غيرةً لله وغضبًا له، ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ فقد أخبر تعالى أنه لَـمَّا أخَذَها بعد ما ألقاها وَجَدَ فيها هدى ورحمةً ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ ضَمَّنَ الرهبة معنى الخضوع؛ ولهذا عدَّاها باللام.
الآية (155): قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمرَه أن يختار من قومه سبعين رجلًا، فاختار سبعين رجلًا فبَرَز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دَعَوا الله قالوا: اللهم أعطنا ما لم تُعْطِهِ أحدًا قبلنا ولا تُعْطِهِ أحدًا بعدنا! فَكَرِهَ الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرَّجفة، قال موسى: ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾ الآية. وقال السُّدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، وَوَعْدَهُمْ مَوعِدًا، ﴿ وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ﴾ على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلمَّا أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرةً؛ فإنك قد كلمْتَه، فَأَرِنَاهُ. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: ربّ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم، ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ﴾.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جُرَيْج: إنما أخذَتْهم الرجفة لأنهم لم يُزَايِلُوا قومهم في عبادتهم العجل ولا نَهَوْهُم، ويَتَوَجَّهُ هذا القول بقول موسى: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾.
وقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾ أي: ابتلاؤك وامتحانك واختبارك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من علماء السلف والخلف. ولا معنى له غير ذلك؛ يقول: إِنْ الأمرُ إلَّا أمرُك، وإنْ الحكمُ إلَّا لك، فما شئت كان، تُضِلُّ من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضِلَّ لمن هَدَيت، ولا مُعطِي لِـمَا مَنَعت، ولا مانع لِـمَا أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر.
وقوله: ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴾ الغَفْر هو: السِّتر، وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قُرِنَت مع الغَفْر، يُراد بها ألَّا يُوقِعه في مثله في المستقبل، ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴾ أي: لا يغفر الذنوب إلا أنت.