حجم الخط:

الآيات (16-22)

الآية (16): أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببًا في تعجيل أخذهم غِرّة؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: بعد هَرَبكم وفراركم، ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ [النساء:77].

الآية (17): ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ أي: يمنعكم، ﴿ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث.

الآية (18-19): يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب ﴿ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ أي: أصحابهم وعُشَرائهم وخلطائهم: ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظّلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا .

قوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أي: بخلاء بالمودة، والشفقة عليكم. ﴿ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال، ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أي: فإذا كان الأمن تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك.

وقال ابن عباس: ﴿ سَلَقُوكُمْ أي: استقبلوكم. وقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشحّ قوم، وأسوؤه مقاسمة: أعطونا، أعطونا، قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق. وهم مع ذلك أشِحّة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جَمَعُوا الجبن والكذب وقلة الخير؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا أي: سهلًا هينًا عنده.

الآية (20): هذا أيضًا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخوف والخور ﴿ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا بل هم قريب منهم، وإنّ لهم عودة إليهم ﴿ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ أي: وَيَودّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة، بل في البادية يسألون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوكم، ﴿ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا؛ لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم.

الآية (21): هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل ، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين تقلّقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟!

ولهذا قال: ﴿ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا .

الآية (22): قال تعالى مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجَعْله العاقبةَ حاصلةً لهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قال ابن عباس وقتادة: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب؛ ولهذا قال: ﴿ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .

﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم؛ كما قاله جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص.

ومعنى قوله: ﴿ وَمَا زَادَهُمْ أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿ إِلَّا إِيمَانًا بالله ﴿ وَتَسْلِيمًا أي: انقيادًا لأوامره، وطاعةً لرسوله.