حجم الخط:

الآيات (16-22)

الآية (16-18): يقول تعالى مُتَوَعِّدًا الذين يَصُدُّون عن سبيل الله من آمن به: ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، ليَصُدُّوهم عمَّا سَلَكُوه من طريق الهدى. ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: باطلة عند الله، ﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ أي: منه، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ أي: يوم القيامة.

قال ابن عباس ومجاهد: جَادَلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله، ليَصُدُّوهم عن الهدى، وطَمِعُوا أن تعود الجاهلية. وقال قتادة: هم اليهود والنصارى؛ قالوا لهم: ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، وأولى بالله منكم. وقد كَذَبُوا في ذلك.

ثم قال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ يعني: الكُتُب الـمُنْزَلة من عنده على أنبيائه، ﴿ وَالْمِيزَانَ وهو: العَدْل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة. وهذه كقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25]، وقوله: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴿٨ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن:7-9]. وقوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا.

وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا أي: يقولون: ﴿ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [سبأ:29]، وإنما يقولون ذلك تكذيبًا واستبعادًا، وكُفْرًا وعِنَادًا. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا أي: خائفون وَجِلُون من وقوعها ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أي: كائنةٌ لا محالة، فهم مُسْتَعِدُّون لها عاملون من أجلها. وقد رُوي من طرق تَبلُغ درجة التواتر، في الصِّحاح والحسان، والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه: أن رجلًا سأل رسول الله بصوت جهورِيٍّ، وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال: يا محمد. فقال له النبي نحوًا من صوته «هَاؤُم». فقال: متى الساعة؟ فقال له رسول الله : «وَيْحَكَ، إنها كائنة، فما أَعْدَدْتَ لها؟». فقال: حُبُّ الله ورسوله. فقال: «أنت مع من أَحْبَبْتَ» [متفق عليه]. فقوله: «المرء مع من أَحَبَّ» متواتر لا محالة، والغرض: أنه لم يُجِبْهُ عن وقت الساعة، بل أَمَرَهُ بالاستعداد لها. وقوله: ﴿ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ أي: يُحَاجُّون في وجودها ويدفعون وقوعها.

﴿ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ أي: في جَهْلٍ بيِّن؛ لأن الذي خَلَق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأَحْرَى؛ كما قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27].

الآية (19-22): يقول تعالى مُخْبِرًا عن لُطْفِه بخَلْقِه في رِزْقِه إيَّاهم عن آخرهم، لا ينسى أحدًا منهم، سواء في رزقه البَرُّ والفاجر؛ كقوله عز وجل: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. ولها نظائر كثيرة.

وقوله: ﴿ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ أي: يُوَسِّعُ على من يشاء، ﴿ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ أي: لا يعجزه شيء. ثم قال: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ أي: عَمَل الآخرة. ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ أي: نُقَوِّيه ونُعِينه على ما هو بصَدَده، ونُكْثِر نماءه، ونجزيه بالحسنة عَشْرِ أمثالها إلى سبعمائة ضِعْف، إلى ما يشاء الله. ﴿ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أي: ومن كان إنَّما سَعيُه ليَحْصُل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة هَمٌّ أَلْبَتَّة بالكلية، حَرَمه الله الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يَحْصُل له لا هذه ولا هذه، وفَازَ السَّاعِي بهذه النِّـيَّة بالصَّفْقَة الخاسرة في الدنيا والآخرة. والدليل على هذا أن هذه الآية ههنا مقيدة بالآية التي في «سبحان»؛ وهي قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴿١٨ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴿١٩ كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿٢٠ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:18-21]. عن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول الله : «بَشِّرْ هذه الأمة بالسَّنَاء والرِّفْعَة، والنَّصْرِ والتَّمكين في الأرض، فمن عَمِلَ منهم عَمَلَ الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ أي: هم لا يَتَّبِعُون ما شَرَع الله لك من الدين القويم، بل يَتَّبِعُون ما شَرَع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حَرَّموا عليهم، من البَحِيرَة والسَّائِبَة والوَصِيلَة والـحَام، وتحليل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة. وقد ثَبَت أن رسول الله قال: «رأيتُ عمرو بن لُحَيِّ بن قَمَعَة يَجُر قُصْبَه[1] في النار؛ لأنه أول من سَيَّبَ السوائب» [متفق عليه]. وهو الذي حَمَل قريشًا على عبادة الأصنام، لَعَنَه الله وقَبَّحَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: لَعُوجِلُوا بالعقوبة، لولا ما تَقَدَّم من الإنظار إلى يوم المعاد، ﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: شديد مُوجِعٌ في جهنم وبئس المصير.

ثم قال تعالى: ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا أي: في عَرَصَات القيامة، ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ أي: الذي يَخَافون منه واقع بهم لا محالةَ، هذا حالهم يوم مَعَادهم، وهم في هذا الخوف والوَجَل. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ فأين هذا من هذا؟! أين من هو في العَرَصَات في الذُّلِّ والهوان والخوف الـمُحَقَّق عليه بظُلْمه، ممَّن هو في رَوْضَات الجنات، فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذّ، فيما لا عين رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَر؟! ولهذا قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي: الفوز العظيم، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.