الآية (17-26): ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ أي: مخلدون على صفة واحدة، لا يَكْبُرُون عنها ولا يَشِيبُون ولا يَتَغَيَّرُون.
﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴾ أما الأكواب، فهي: الكيزان التي لا خَراطيم لها ولا آذان. والأباريق: التي جَمَعَت الوصفين. والكؤوس: الـهَنَابَاتُ، والجميع من خَمْر من عين جارية مَعِين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ، بل من عيون سارحة.
وقوله: ﴿ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴾ أي: لا تَصَدَّعُ رؤوسهم ولا تُنْزَفُ عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة الـمُطْرِبَة واللَّذَّة الحاصلة.
وقوله: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ أي: ويطوفون عليهم بما يَتَخَيَّرُون من الثمار وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها. ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن طير الجنة كأمثال البُخْتِ، تَرعَى في شَجَر الجنة». فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن هذه لَطَيْرٌ ناعمة! فقال: «أكَلَتُها أَنْعَمُ منها» [رواه أحمد، وصححه الألباني].
﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ أي: ولهم فيها حور عين. ﴿ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴾ أي: كأنهن اللؤلؤ الرَّطْب في بياضه وصفائه، ولهذا قال: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل. ثم قال: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيًا، أي: غَثًّا خاليًا عن المعنى، أو مشتملًا على معنى حقير أو ضعيف؛ كما قال: ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾ [الغاشية:11]. ﴿ وَلَا تَأْثِيمًا ﴾ أي: ولا كلامًا فيه قُبْحٌ. ﴿ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض؛ كما قال: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ [إبراهيم:23]، وكلامهم أيضًا سالم من اللغو والإثم.
الآية (27-40): قال ميمون بن مِهْرَان: أصحاب اليمين منزلة دون المقربين. ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾ أيْ: أيُّ شيء أصحاب اليمين؟! وما حالهم؟! وكيف مآلهم؟! ثم فَسَّرَ ذلك فقال: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ سِدْر الدنيا كثيرُ الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على عكس من هذا، لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير الذي قد أَثْقَلَ أصله.
﴿ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ﴾ الطلح: شَجَرٌ عِظَامٌ يكون بأرض الحجاز، من شجر العضَاه، واحدته طلحة، وهو شَجَر كثير الشوك، وقال مجاهد: ﴿ مَنْضُودٍ ﴾ أي: متراكم الثمر. وقال السُّدِّي: مصفوف. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. وعن أبي سعيد: ﴿ وَطَلْحٍ ﴾ قال: الموز. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة مثل ذلك، وبه قال ابن زيد، وزاد: أهل اليمن يُسَمُّون الموز الطلح. ولم يَحْكِ ابن جرير غير هذا القول. وقوله: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ عن أبي هريرة -يبلُغُ به النبي ﷺ- قال: «إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظِلها مائة عام لا يَقْطَعها واقرَؤوا إن شِئتُم: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾» [متفق عليه]، وقال الضحاك: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾: لا ينقطع، ليس فيها شمس ولا حر؛ مثل قبل طلوع الفجر. وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾ [الرعد:35].
﴿ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ قال الثوري: يجري في غير أخدود.
﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان ما لا عين رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَر.
﴿ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴾ أي: لا تنقطع، بل أُكُلُهَا دائم مستمر أبدًا، مهما طلبوا وَجَدوا، لا يمتنع عليهم شيء. قال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عُوْد ولا شَوْك ولا بُعْد. ﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ أي: عالية وَطِيئة ناعمة.
﴿ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ﴾ جرى الضمير على غير مذكور، لكن لَـمَّا دَلَّ السياق -وهو ذِكر الفُرُش- على النساء اللاتي يُضَاجَعن فيها، اكتفى بذلك عن ذِكْرِهن، وعاد الضمير عليهن.
﴿ أَنْشَأْنَاهُنَّ ﴾ أي: أعدناهن في النشأة الآخرة بعدما كُنَّ عجائز رُمْصًا، صِرْنَ أبكارًا عُرُبًا، أي: بعد الثِّيُوبة عُدْنَ أبكارًا.
﴿ عُرُبًا ﴾ أي: مُتَحَبِّبَات إلى أزواجهن بالحلاوة والظَّرَافة والـمَلاحة. وقال بعضهم: غَنِجات. وعن ابن عباس: يعني مُتَحَبِّبَات إلى أزواجهن. وقال زيد بن أسلم وابنه: العُرُب: حسنات الكلام.
وقوله: ﴿ أَتْرَابًا ﴾ قال ابن عباس يعني: في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة. وقال مجاهد: الأتراب: المستويات. وفي رواية عنه: الأمثال. وقال السُّدِّي: في الأخلاق مُتَوَاخِيَات بينهن، ليس بينهن تَبَاغُض ولا تَحَاسُد، يعني: لا كما كُنَّ في الدنيا ضرائر مُتَعَاديات.
وقوله: ﴿ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴾ أي: خُلِقْن، أو: ادُّخِرْنَ، أو: زُوِّجْنَ لأصحاب اليمين. والأظهر أن تقديره: أَنْشَأْنَاهُنَّ لأصحاب اليمين. وهذا توجيه ابن جرير. قلت: ويُحتمل أن يكون متعلقًا بما قبله، وهو قوله: ﴿ أَتْرَابًا ﴿٣٧﴾ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴾ أي: في أسنانهم.
وقوله: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ﴾ أي: جماعة من الأولين، وجماعة من الآخرين.
الآية (41-50): ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴾ أي: أي شيء هم أصحاب الشمال؟! ثم فَسَّر ذلك فقال: ﴿ فِي سَمُومٍ ﴾ وهو: الهواء الحار، ﴿ وَحَمِيمٍ ﴾ وهو: الماء الحار، ﴿ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ﴾ هو الدخان الأسود، قال ابن عباس: ظل الدخان، وهذه كقوله تعالى: ﴿ انْطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ٢٩ انْطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ ٣٠ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ٣١ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ٣٢ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ٣٣ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ [المرسلات: 29- 34].
﴿ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴾ أي: ليس طيب الهبوب ولا حَسَن الـمَنْظَر، كما قال الحسن وقتادة. ثم ذَكَر تعالى استحقاقهم لذلك، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ أي: كانوا في الدار الدنيا مُنَعَّمِين مُقْبِلِين على لذَّات أنفسهم، لا يَلْوُون على ما جاءتهم به الرسل.
﴿ وَكَانُوا يُصِرُّونَ ﴾ أي: يُصَمِّمون ولا ينوون توبةً. ﴿ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴾ وهو الكفر بالله، وجَعْل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله. قال ابن عباس وغيره: الشِّرك. وقال الشعبي: هو اليمين الغموس. ﴿ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٤٧﴾ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾؟! يعني: أنهم يقولون ذلك مُكَذِّبِينَ به مُستَبعِدِين لوقوعه، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ﴿٤٩﴾ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ أي: أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيُجْمَعون إلى عَرَصَات القيامة، لا نُغَادِر منهم أحدًا، كما قال: ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ١٠٣ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ [هود: 103-104]. ولهذا قال ههنا: ﴿ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ أي: هو مُوَقّت بوقت محدد، لا يَتَقَدَّم ولا يَتَأَخَّر، ولا يزيد ولا ينقص.