الآية (171): ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى؛ فإنهم تجاوزوا الحدّ في عيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيّز النبوة إلى أن اتخذوه إلهـًا من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلَوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة:31]. عن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» [رواه البخاري].
﴿ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا؛ فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله، وخَلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول مِن رُسله، ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ ﴾ أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درْعها، فنزلت حتى وَلَجت فرجها، بمنزلة لقاح الأبِ الأمَّ، والجميع مخلوق لله عز وجل؛ ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولَّد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان. والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ [المائدة:75]. وقد قال مجاهد في قوله: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ أي: ورسول منه. وقال غيره: ومحبة منه. والأظهر الأول، وهو: أنَّه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ ﴾ [هود:64]. وفي قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ﴾ [الحج: 26]. ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ أي: فصدِّقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد ولا صاحبة له، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمّه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وهذه الآية والتي تأتي في سورة المائدة: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ [المائدة:73]، وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾ [المائدة:116]، وقال في أولها: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ [المائدة:72]، فالنصارى من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر؛ فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا. وهم طوائف كثيرة، لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة. وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم! هل اتَّحدا؟ أو ما اتحدا بل امتزجا، أو حلّ فيه؟ على ثلاث مقالات! وكل منهم يكفّر الفرقة الأخرى، ونحن نكفّر الثلاثة. ولهذا قال تعالى: ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ أي: يكن خيرًا لكم ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ ﴾ أي: تعالى وتقدّس عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد؟!
الآية (172-173): عن ابن عباس قوله: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ ﴾: لن يستكبر. وقال قتادة: لن يحتشم ﴿ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾، وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ حيث قال: ﴿ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾، وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح؛ لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذُكروا لأنهم اتُّخِذُوا آلهة مع الله، كما اتُّخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخَلْق من خلقه، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ الآيات [الأنبياء:26-29]. ﴿ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ أي: فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحُكمِه العَدْل، الذي لا يجور فيه ولا يَحِيف. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۖ ﴾ يعني: فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسَعَة رحمته وامتنانه. ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا ﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾؛ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر:60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين.
الآية (174-175): يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس، ومُخبرًا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعُذْر، والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جُرَيج: هو القرآن. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ﴾ أي: يرحمهم فيُدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أي: طريقا واضحًا قَصْدًا قَوَامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة؛ فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم الـمُفضي إلى روضات الجنات.