الآية (184): ﴿ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ﴾ يُخَوِّفهم بأسَ الله الذي خَلقَهم وخَلَق آباءهم الأوائل. قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ﴾ يقول: خلق الأوَّلين.
الآية (185-191): يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ﴾ يعنون: من المسحورين، ﴿ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ أي: تَتَعمَّد الكَذِب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا.
﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ قال الضحاك: جانبًا من السماء. وقال قتادة: قِطَعًا من السماء. وقال السُّدي: عَذَابًا من السماء. ﴿ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم، وكذلك وَقَع بهم كما سألوا، جزاءً وِفَاقًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكِسَفِ عليهم؛ فإن الله سبحانه وتعالى جَعَل عُقُوبتهم أنْ أصابهم حرٌّ شديدٌ جدًّا مُدَّة سبعة أيام لا يُكِنُّهُم منه شيء، ثم أَقْبَلَت إليهم سَحَابةٌ أَظَلَّتْهم، فجَعَلوا يَنطَلِقون إليها يَستَظِلُّون بِظِلِّها من الـحَرِّ، فلمَّا اجتمعوا تَحتَها أرسل الله تعالى عليهم منها شَررًا من نار، ولهبًا ووَهَجًا عظيمًا، ورَجَفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أَزْهَقَتْ أرواحهم؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾؛ وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق؛ ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين؛ وذلك لأنهم قالوا: ﱡﭐ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﱠ [الأعراف:88]، فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة. وفي سورة هود قال: ﱡﭐ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﱠ [هود:94] وذلك لأنهم استهزؤوا بنبي الله في قولهم: ﴿ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود:87]. قالوا ذلك على سبيل التَّهَكُّمِ والازدراء، فنَاسَب أن تأتيهم صيحة تُسْكِتُهُم. وههنا قالوا: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ على وجه التَّعَنُّتِ والعناد، فناسب أن يَحِقَّ عليهم ما استبعدوا وقوعه: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٨٩﴾ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ في انتقامه من الكافرين. ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بعباده المؤمنين.
الآية (192-195): يقول تعالى مخبرًا عن الكتاب الذي أَنزَله على عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: القرآن -الذي تَقَدَّم ذِكْره في أول السورة في قوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾ [الشعراء:5]- ﴿ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: أَنزَله الله عليك وأوحاه إليك، ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾ وهو جبريل عليه السلام، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريج. وهذا ما لا نزاع فيه. قال الزهري: وهذه كقوله: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ الآية [البقرة:97]. وقال مجاهد: من كَلَّمَهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ لا تَأْكُلُهُ الأرض. ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ أي: نَزَل به مَلَكٌ كريم أمين، ذو مكانة عند الله، مطاع في الملأ الأعلى، ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ يا محمد، سالمًا من الدَّنَسِ والزيادة والنقص؛ ﴿ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ أي: لِتُنْذِرَ به بأس الله ونِقمَتَه على من خَالَفه وكَذَّبَه، وتُبَشِّر به المؤمنين الْـمُتَّبِعِينَ له. وقوله: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ أي: هذا القرآن الذي أَنزَلْناه إليك أَنزَلْناه بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بَيِّنًا واضِحًا ظاهرًا، قاطعًا للعُذْر، مُقِيمًا للحُجَّة، دليلًا إلى الـمَحَجَّة.
الآية (196-199): يقول تعالى: وإنَّ ذِكْرَ هذا القرآن والتَّنْوِيهَ به لَـمَوجودٌ في كُتُب الأوَّلين المأثورة عن أنبيائهم الذين بَشَّروا به في قديم الدَّهر وحديثه، كما أَخَذَ الله عليهم الميثاق بذلك، حتى قام آخرهم خطيبًا في ملئه بالبشارة بأحمد: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [الصف:6]، والزُّبُرُ ههنا هي الكُتُب، وهي جمع زُبْرَة، وكذلك الزَّبُور، وهو كتاب داود. وقال تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴾ [القمر:52] أي: مكتوب عليهم في صُحُف الملائكة.
ثم قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: أوَليس يَكفِيهم من الشَّاهد الصادق على ذلك: أن العلماء من بني إسرائيل يَجدُون ذِكْر هذا القرآن في كُتُبهم التي يَدرُسونها؟! والمراد: العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صِفَة محمد ﷺ ومَبْعَثه وأمَّته، كما أَخبَر بذلك مَنْ آمن منهم؛ كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمَّن أَدْرَكه منهم ومن شَاكَلَهم. وقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ الآية [الأعراف:157].
ثم قال تعالى مخبرًا عن شِدَّة كُفْر قريش وعنادهم لهذا القرآن؛ أنه لو أَنزَلَه على رجل من الأعاجم، ممَّن لا يدري من العربية كلمةً، وأَنزَلَ عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته، لا يؤمنون به؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴿١٩٨﴾ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ كما أَخبَرَ عنهم في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس:96-97].
الآية (200-206): يقول تعالى: كذلك سَلَكْنا التكذيب والكفر والجحود والعناد، أي: أدخلناه ﴿ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾.
﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: بالحق ﴿ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ أي: حيث ﱡﭐ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﱠ [غافر:52]. ﴿ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ أي: عذاب الله بغتةً ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٠٢﴾ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ أي: يَتَمَنَّوْن حين يُشَاهِدون العذاب أن لو أُنْظِروُا قليلًا ليَعمَلوا بطاعة الله، فكلُّ ظالم وفاجر وكافر إذا شَاهَد عقوبَتَه، نَدِمَ نَدَمًا شديدًا.
﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ إنكارٌ عليهم، وتهديد لهم؛ فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبًا واستبعادًا: ﴿ ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ ﴾ [العنكبوت:29]، كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ﴾ [العنكبوت:53]. ثم قال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴿٢٠٥﴾ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾.