الآية (19): ثم قال: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ أي: مَن أعظم الأشياء شهادة؟! ﴿ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ أي: وهو نذير لكل مَن بلغه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ [هود:17]. قال الربيع بن أنس: حَقٌّ على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن يُنذِر كالذي أنذر. وقوله: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ ﴾ أي: أيها المشركون ﴿ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ [الأنعام:150]، ﴿ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾.
الآية (20): ثم قال مُخبِرًا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدِّمين والأنبياء؛ فإن الرسل كلهم بَشَّروا بوجود محمد ﷺ وبنَعْتِه وصفته، وبلده ومُهَاجَرِه، وصفة أمته؛ ولهذا قال بعد هذا: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: خسروا كل الخسارة، ﴿ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشَّرَت به الأنبياء، ونوَّهَت به في قديم الزمان وحديثه.
الآية (21): ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ أي: لا أظلم ممن تَقَوَّل على الله، فادَّعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذَّب بآيات الله وحُجَجِه وبراهينه ودلالاته، ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذِّب.
الآية (22-26): يقول تعالى مُخبرًا عن المشركين: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾ يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه قائلًا لهم: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [القصص:62].
وقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ أي: حُجَّتُهم. وقال ابن عباس: أي: معذرتهم. وكذا قال قتادة. وقال ابن جرير: والصواب: ثم لم يكن قِيلُهم عند فِتنَتِنا إياهم اعتذارًا ممَّا سَلَف منهم من الشرك بالله ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: يا أبا عباس! سمعت الله عز وجل يقول -يعني إخبارًا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا-: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ [النساء:42] فقال ابن العباس: أما قوله: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنَجحد، فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثًا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا قد نزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه. [رواه البخاري معلقًا]. وقال الضحاك عن ابن عباس: هذه في المنافقين. وفي هذا نظر؛ فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ [المجادلة:18]. وهكذا قال في حق هؤلاء: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٧٣﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾ [غافر:73-74].
وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ أي: يجيئون ليسمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئًا؛ لأن الله جعل ﴿ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ أي: أغطية لئلا يفقهوا القرآن ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ أي: صَمَمًا عن السماع النافع؛ فَهُم كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة:171].
وقوله: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحُجج البينات، لا يؤمنوا بها؛ فلا فَهْم عندهم ولا إنصاف؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنفال:23].
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ ﴾ أي يحاجُّونك ويناظرونك في الحق بالباطل ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم. وقوله: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ في معنى ﴿ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول، والانقياد للقرآن. ﴿ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي: ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين: لا ينتفعون ولا يتركون أحدًا ينتفع. وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير. والقول الثاني: روي عن ابن عباس قال: نزلت في أبي طالب؛ كان ينهى الناس عن النبي ﷺ أن يُؤْذَى، وكذا قال عطاء بن دينار وغيره: إنها نزلت في أبي طالب. وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي ﷺ وكانوا عشرة، فكانوا أشدَّ الناس معه في العلانية وأشدَّ الناس عليه في السرِّ. ﴿ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: وما يهلكون بهذا الصنيع، ولا يعود وبالُه إلا عليهم، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾.
الآية (27): قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يذكر تعالى حال الكفار إذا وُقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يتمنون أن يُرَدُّوا إلى الدار الدنيا ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين.