الآية (22-24): ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: أَخَذَ طريقًا سالكًا مَهْيَعًا[1] فَرِحَ بذلك ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أي: إلى الطريق الأقوم. فَفَعَل الله به ذلك، وهداه إلى الطريق المستقيم في الدنيا والآخرة، فجَعَله هاديًا مهديًّا. ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: ولَـمَّا وَصَل إلى مدين ووَرَد ماءها، وكان لها بئر تَرِدُه رِعَاءُ الشَّاء ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ ﴾ أي: جماعةً ﴿ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ﴾ أي: تُكَفْكِفَان غَنَمَهما أن تَرِدَ مع غَنَم أولئك الرعاء لِئَلا يُؤْذَيَا. فلمَّا رآهما موسى عليه السلام رَقَّ لَـهُمَا ورَحِمَهما.
﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي: ما خَبَركما لا تَرِدَان مع هؤلاء؟ ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ﴾ أي: لا يَحْصُل لنا سَقْي إلا بعد فراغ هؤلاء، ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ أي: فهذا الحال الـمُلْجِئ لنا إلى ما تَرَى.
قال تعالى: ﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ﴾ [روى] أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر ابن الخطاب: أن موسى عليه السلام ﴿ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ﴾، قال: فلمَّا فَرَغُوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلا عَشَرة رجال، فإذا هو بامرأتين تَذُودَان، ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾؟ فحَدَّثَتاه، فأتى الـحَجَر فَرَفَعَه، ثم لم يَسْتَقِ إلا ذَنُوبًا واحدًا حتى رَوِيَتِ الغنم. إسناد صحيح. وقوله: ﴿ إِلَى الظِّلِّ ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود والسُّدِّي: جَلَسَ تحتَ شجرة.
الآية (25-28): لَـمَّا رَجَعَت المرأتان سريعًا بالغَنَم إلى أبيهما، أَنْكَرَ حالهما ومجيئهما سريعًا، فسألهما عن خَبرِهما، فقَصَّتَا عليه ما فَعَل موسى عليه السلام، فبَعَثَ إحداهما إليه لتَدْعُوه إلى أبيها؛ قال الله تعالى: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ أي: مَشْي الحرائر، كما روى ابن أبي حاتم عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: كانت مُسْتَتِرَة بِكُمِّ دِرْعها. وعن عمرو بن ميمون قال: قال عمر: جاءت تَـمْشِي على استحياء، قائلةً بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَعٍ خَرَّاجة وَلَّاجة. هذا إسناد صحيح. قال الجوهري: السَّلْفَع من الرجال: الـجَسُورُ، ومن النساء: الـجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ، ومن النُّوْق: الشديدة.
﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ وهذا تَأَدُّبٌ في العِبَارة، لم تطلبه طَلَبًا مُطْلَقًا لِئَلَّا يُوهِمَ رِيبَةً، بل قالت: ﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ يعني: ليُثِيبَكَ وَيُكَافئك على سَقْيِكَ لغنمنا. ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ﴾ أي: ذَكَرَ له ما كان من أَمْرِه، وما جَرَى له من السَّبب الذي خَرَجَ من أجله من بلده.
﴿ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ يقول: طِبْ نَفْسًا وَقرَّ عَيْنًا؛ فقد خَرَجْتَ من مملكتهم فلا حُكْمَ لهم في بلادنا؛ ولهذا قال: ﴿ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾.
وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل: من هو؟ على أقوال:
أحدها: أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أُرسِلَ إلى أهل مدين. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب. وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمُدَّةٍ طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود:89]. وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بِنَصِّ القرآن، وقد عُلِمَ أنه كان بين موسى والخليل -عليهما السلام- مدةٌ طويلةٌ تزيد على أربعمائة سنة كما ذَكَرَه غير واحد. وما قِيل إن شعيبًا عاشَ مدةً طويلةً، إنما هو-والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثُمَّ مِن الـمُقَوِّي لِكَوْنه ليس بشعيب أنه لو كان إِيَّاهُ لأَوْشَكَ أن يَنُصَّ على اسمه في القرآن ههنا. وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذِكْرِه في قصة موسى لم يصح إسناده، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل. قيل: هي التي ذَهَبَت وراء موسى عليه السلام، قالت لأبيها: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أي: لرعية هذه الغَنَم. قال عمر وابن عباس وشُريح القاضي وقتادة وغير واحد: لَـمَّا قالت: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ قال لها أبوها: وما عِلْمُكِ بذلك؟ قالت: إنه رَفَعَ الصَّخْرة التي لا يُطِيق حَمْلَها إلا عشرةُ رجال، وإنه لَـمَّا جِئتُ معه تَقَدَّمَتُ أمامَهُ، فقال لي: كوني من ورَائي، فإذا اجتنبتُ الطريق فاحْذِفي لي بحَصَاة أعلمُ بها كيف الطريق لِأَهتدي إليه. عن ابن مسعود قال: أَفْرَس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تَفَرَّسَ في عُمَر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ [يوسف:21]، وصاحبةُ موسى حين قالت: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾.
﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾ أي: طَلَبَ إليه هذا الرَّجُل الشيخ الكبير أن يَرعَى عنه ويُزَوِّجه إحدى ابنَتَيْه هاتين.
وقوله: ﴿ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي: على أن تَرْعَى عليَّ ثماني سنين، فإن تَبَرَّعْتَ بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي ثمانٍ كفاية.
﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ أي: لا أُشَاقُّك، ولا أُؤَاذِيك، ولا أُمَارِيك.
وقوله تعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾، يقول: إن موسى قال لصِهْره: الأمرُ على ما قُلْتَ من أنَّكَ استأجرتني على ثمان سنين، فإن أَتْـمَمْتُ عَشْرًا فمن عندي، فأنا مَتى فَعَلْتُ أَقَلَّهُمَا فقد بَرئْتُ من العَهْد، وخَرَجْتُ من الشَّرط؛ ولهذا قال: ﴿ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ أي: فلا حَرَجَ عليَّ. هذا وقد دَلَّ الدليل على أن موسى عليه السلام إنما فَعَل أَكْمَلَ الأجلين وأَتَـمَّهُمَا؛ روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأجلين قَضَى موسى؟ فقلتُ: لا أدري حتى أقدُمَ على حَبْر العرب فأسأَلَه. فقَدِمتُ فسَأَلْت ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: قَضَى أَكْثَرَهما وأَطْيَبَهما، إن رسولَ الله إذا قالَ فَعَلَ.