حجم الخط:

الآيات (26-33)

الآية (26): يخبر تعالى أنّ لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: الحُسنى في الدار الآخرة؛ كقوله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60]. وقوله: ﴿ وَزِيَادَةٌ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْف، وزيادة على ذلك، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القُصُور والحُور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قُرَّة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه: النظرُ إلى وجهه الكريم؛ فإنه زيادة أعظم من جميع ما أُعْطُوهُ، لا يستحقُّونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وقتادة والسدي وغيرهم من السَلف والـخَلف. وقد وَرَدَت في ذلك أحاديثُ كثيرة عن رسول الله . عن صهيب أن رسول الله تلا هذه الآية: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا من النار؟!». قال: «فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم» [رواه مسلم].

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ أي: قَتَامٌ وَسَوَادٌ في عَرَصَات المحشر، كما يَعتَرِي وجوه الكفرة الفَجَرة من القترة والغبرة، ﴿ وَلَا ذِلَّةٌ أي: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن، ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقِّهم: ﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:11] أي: نَضْرَة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته، آمين.

الآية (27): لَـمَّا أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يُضاعف لهم الحسنات، ويزدادون على ذلك، عطَف بذكر حال الأشقياء، فذَكَر تعالى عدله فيهم، وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها، لا يزيدهم على ذلك، ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ أي: تَعْتَرِيهِم وتَعْلُوهم ذِلةٌ من معاصيهم وخوفهم منها. وقوله:﴿ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ أي: من مانع ولا واقٍ يَقِيهم العذاب. وقوله: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ الآية، إخبارٌ عن سواد وجوههم في الدار الآخرة؛ كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الآية [أل عمران: 106]، وقوله تعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١ أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:40-42].

الآية (28-30): يقول تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ أي: أهل الأرض كلهم، من جنٍّ وإنس، وبَرٍّ وفاجر؛ كقوله: ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]. ﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا الآية، أي: الزَموا أنتم وهُم مكانًا معيَّنًا، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين؛ كقوله تعالى: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: 59]. وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة إخبارًا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة: ﴿ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ الآية، أنهم أنكروا عبادتهم، وتبرأوا منهم؛ كقوله: ﴿ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ الآية [مريم:82]. وقال في هذه الآية إخبارًا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم: ﴿ فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ أي: ما كنا نشعر بها ولا نعلم، وإنما أنتم كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم، والله شهيد بيننا وبينكم أنَّا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك. وفي هذا تَبْكِيتٌ عظيم للمشركين الذين عَبَدوا مع الله غيره، ممَّن لا يسمع ولا يُبصِر، ولا يُغنِي عنهم شيئًا، ولم يأمرهم بذلك ولا رَضِيَ به ولا أراده، بل تبرَّأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه.

والمشركون أنواع وأقسام كثيرون، قد ذكرهم الله في كتابه، وبَيّن أحوالهم وأقوالهم، ورَدَّ عليهم فيما هم فيه أتمَّ ردٍّ.

وقوله: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ أي: في موقف الحساب يوم القيامة تُخْتَبَرُ كل نفس وتَعْلَمُ ما أَسْلَفَتْ من خير وشرٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9]، وقال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة:13]. وقوله: ﴿ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، فَفَصَّلَهَا، وأدخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ أي: ذَهَبَ عن المشركين، ﴿ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ أي: ما كانوا يعبدون من دون الله افتراءً عليه.

الآية (31-33): يحتجّ تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانيته الإلهية، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشق الأرض شقًّا بقدرته ومشيئته، فيُخرِج منها ﴿ حَبًّا ﴿٢٧ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:27-31]، ﴿ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60] ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس:31]، ﴿ أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الملك:21]، وقوله: ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ أي: الذي وَهَبَكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذَهَب بها وسلَبَكم إياها.

وقوله: ﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أي: بقدرته العظيمة، ومِنَّته العميمة، وقد تقدَّم ذِكر الخلاف في ذلك، وأن الآية عامَّة في ذلك كله[1]. وقوله: ﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: ﴿ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون:88]، وهو الـمُتَصَرِّف الحاكم الذي لا مُعَقِّب لحكمه، و﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، فالـمُلك كله العُلْوي والسفلي، وما فيهما من ملائكة وإنس وجانّ فقيرون إليه، عبيد له، خاضعون لديه. ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ أي: هم يعلمون ذلك ويعترفون به، ﴿ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ وقوله: ﴿ فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يُفرَد بالعبادة، ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ أي: فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له، ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ أي: فكيف تُصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الربُّ الذي خلق كل شيء، والـمُتَصَرِّف في كل شيء؟ وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أي: كما كَفَر هؤلاء المشركون واستمرُّوا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يَعترِفون بأنه الخالق الرازق الـمُتَصَرِّف في الملك وحده، الذي بَعَث رسله بتوحيده؛ فلهذا حَقَّت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار؛ كقوله: ﴿ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:71].