حجم الخط:

الآيات (28-49)

الآية (28-32): ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي: يوم لهم ويوم للناقة؛ كقوله: ﴿ قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]. وقوله: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن.

ثم قال تعالى: ﴿ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قُدار بن سالف، وكان أشقى قومه، ﴿ فَتَعَاطَىٰ أي: جَسَـر ﴿ فَعَقَرَ ﴿٢٩ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ أي: فعَاقَبْتُهم، فكيف كان عقابي لهم على كُفْرِهم بي وتكذيبهم رسولي؟! ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ أي: فبادوا عن آخرهم لم تَبْقَ منهم باقية، وخَمَدوا وهَمَدوا كما يَهْمُد يَبِيس الزرع والنبات. قاله غير واحد من المفسرين. والـمُحْتَظِر: قال السُّدِّي: هو الـمَرْعَى بالصحراء حين يَيْبَس ويحترق وتَسْفِيه الريح. وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حِظَارًا على الإبل والمواشي من يَبِيس الشَّوك، فهو المراد من قوله: ﴿ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ .

الآية (33-40): يقول تعالى مُخْبِرًا عن قوم لوط كيف كذَّبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور، وهي الفاحشة التي لم يَسبِقْهم بها أحدٌ من العالمين؛ ولهذا أَهْلَكَهم الله هلاكًا لم يُهْلِكه أمةً من الأمم؛ فإنه تعالى أَمَرَ جبريل عليه السلام فحَمَلَ مدائنهم حتى وَصَلَ بها إلى عَنَان السماء، ثم قَلَبَها عليهم وأرسَلَها، وأُتْبِعَتْ بحجارة من سجيل منضود؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا وهي: الحجارة ﴿ إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ أي: خَرَجُوا من آخر الليل فَنَجَوا ممَّا أصَاب قومهم، ولم يُؤْمِن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد حتى ولا امرأته، أصابها ما أصاب قومها، وخَرَج نبي الله لوط وبناتٌ له من بين أَظْهُرِهم سالِـمًا لم يَمْسَسْه سُوء؛ ولهذا قال: ﴿ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ﴿٣٥ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا أي: ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أَنْذَرَهم بأس الله وعذابه، فما التفتوا إلى ذلك، ولا أَصْغَوا إليه، بل شَكُّوا فيه وتماروا به.

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ وذلك ليلة ورَدَ عليه الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل في صورة شباب مُرد حِسان مِـحْنَةً من الله بهم، فأضافهم لوط عليه السلام، وبَعَثَتْ امرأته العجوزُ السُّوْءُ إلى قومها فأعلمَتْهم بأضياف لوط، فأَقْبَلُوا يُهْرَعُون إليه من كلِّ مكان، فأَغْلَقَ لوط دونهم الباب، فجَعَلوا يُحَاوِلُون كَسْر الباب وذلك عشيةً، ولوط عليه السلام يُدَافِعهم ويُـمَانعهم دون أضيافه، ويقول لهم: ﴿ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي يعني: نساءَهم ﴿ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71]، ﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ أي: ليس لنا فيهن أَرَبٌ، ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79]، فلمَّا اشتدَّ الحال وأبوا إلا الدخول؛ خَرَج عليهم جبريل عليه السلام فضَـرَب أعينهم بطَرَف جناحه، فانطَمَسَت أعينهم. يُقال: إنها غَارَت من وجوههم. وقيل: إنه لم تَبْقَ لهم عيون بالكلية، فرَجَعُوا على أدبارهم يَتَحَسَّسون بالحيطان، ويَتَوَعَّدون لوطًا عليه السلام إلى الصباح. قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ أي: لا مَحِيدَ لهم عنه، ولا انفكاكَ لهم منه، ﴿ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٩ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ .

الآية (41-46): يقول تعالى مُخْبِرًا عن فرعون وقومه: إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيَّدَهُما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة، فكذَّبوا بها كلِّها، فأَخَذَهم الله ﴿ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ، أي: فأبادهم الله ولم يُبق منهم مُخْبِرًا ولا عَينًا ولا أثرًا. ثم قال: ﴿ أَكُفَّارُكُمْ أي: أيها المشركون من كفار قريش ﴿ خَيْرٌ مِنْ أُولَٰئِكُمْ يعني: من الذين تقدَّم ذِكرهم ممَّن أُهْلِكوا بسبب تكذيبهم الرُّسُل، وكُفْرهم بالكتب: أأنتم خير أم أولئكم؟! ﴿ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أي: أم مَعَكم من الله براءة ألَّا ينالكم عذاب ولا نكال؟! ثم قال تعالى مُخْبِرًا عنهم: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ أي: يعتقدون أنهم مناصرون بعضهم بعضًا، وأن جمعهم يُغني عنهم من أرادهم بسوء، قال الله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي: سيتفرق شملهم ويُغْلَبُون. عن ابن عباس: أن النبي قال -وهو في قُبَّة له يوم بدر-: «أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ، اللهم إن شِئْتَ لم تُعْبَد بعد اليوم في الأرض أبدًا». فأَخَذَ أبو بكر بيده، وقال: حَسْبُك يا رسول الله! أَلْـحَحْتَ على ربك. فخَرَجَ وهو يَثِبُ في الدِّرْع وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿٤٥ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ [رواه البخاري].

الآية (47-49): يُخْبِرُ تعالى عن ﴿ الْمُجْرِمِينَ أنهم ﴿ فِي ضَلَالٍ عن الحق ﴿ وَسُعُرٍ ممَّا هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء[1]، وهذا يَشْمَل كلَّ من اتَّصَفَ بذلك من كافر ومبتدِع من سائر الفرق.

ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ أي: كما كانوا في سُعُر وَشَكٍّ وتَرَدُّد أَوْرَثَهم ذلك النار، وكما كانوا ضُلَّالًا، يُسْحَبُون فيها على وجوههم، لا يَدْرُون أين يذهبون، ويُقَال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ .

وقوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ كقوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] وكقوله: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ [الأعلى:1-3] أي: قَدَّرَ قَدَرًا، وهَدَى الخلائق إليه؛ ولهذا يَسْتَدِلُّ بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لِـخَلْقِه، وهو عِلْمُه الأشياءَ قبل كَونها وكتابته لها قبل بَرْئِها، ورَدُّوا بهذه الآية وبما شَاكَلَها من الآيات، وما وَرَدَ في معناها من الأحاديث الثابتات على الفِرْقة القَدَريَّة الذين نَبَغُوا[2] في أواخر عَصْر الصحابة. [سبب النزول]: عن أبي هُرَيرَة قال: جاء مُشركو قريش إلى النبي يُخَاصِمُونه في القَدَر، فنَزَلَتْ: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [رواه مسلم].

وفي الحديث الصحيح: «استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان» [رواه مسلم]، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله : «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة».