حجم الخط:

الآيات (31-37)

الآية (31): هذه الآية الكريمة ردٌّ على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عُراة؛ عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء: الرجال بالنهار، والنساء بالليل. وكانت المرأة تقول:

اليوم يبدُو بعضُه أو كُلّه *** وما بَدَا منه فلا أحِلّهُ

[رواه مسلم وابن جرير واللفظ له]

فقال الله تعالى: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . وقال ابن عباس: الزينة: اللباس، وهو ما يوارى السَّوأة، وما سوى ذلك من جَيّد البزِّ والمتاع، فأُمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وقتادة، وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: أنها نَزَلَت في طَوَافِ المشركين بالبيت عُراةً. وقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا .

قال ابن عباس: كل ما شئت، والْبَس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرَفٌ ومَخِيلة [رواه البخاري]. وعن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله قال: «كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في غير مَخِيلة ولا سرَف؛ فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» [رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقال السُّدِّي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة، يحرّمون عليهم الودَكَ ما أقاموا في الموسم؛ فقال الله تعالى لهم: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يقول: لا تسرفوا في التحريم. وقال ابن أسلم: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا يقول: لا تأكلوا حرامًا؛ ذلك الإسراف. وقال ابن جرير: وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدّين حَدَّهُ في حلال أو حرام، الغالين فيما أَحَلَّ، بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يُحلَّل ما أحَلَّ، ويُحرَّم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به.

الآية (32): يقول تعالى ردًا على من حَرَّم شيئًا من المآكل والمشارب، والملابس، من تلقاء نفسه، من غير شرع من الله: ﴿ قُلْ يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: ﴿ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإنْ شرَكهم فيها الكفار حبًّا في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يَشْرَكهم فيها أحد من الكفار؛ فإن الجنة محرّمة على الكافرين.

الآية (33): عن عبد الله[1] قال: قال رسول الله : «لا أحد أغْيَرُ من الله؛ فلذلك حَرَّم الفواحش ما ظَهَر منها وما بَطن، ولا أحد أحبُّ إليه المدح من الله» [ متفق عليه]. قوله: ﴿ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال السُّدِّي: أما الإثم: فالمعصية، والبغي: أن تبغي على الناس بغير الحق. وقال مجاهد: الإثم: المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بَغْيُه كائن على نفسه. وحاصل ما فُسِّر به الإثم: أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي: هو التعدي إلى الناس، فحرّم الله هذا وهذا. وقوله: ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أي: تجعلوا له شريكًا في عبادته، وأن تقولوا عليه من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك، مما لا علم لكم به؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ [الحج:30-31].

الآية (34): يقول تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أي: قَرْن وجيل ﴿ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ أي: ميقاتهم المقدّر لهم ﴿ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً أي: عن ذلك ﴿ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ .

الآية (35): ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلًا، يقصون عليهم آياته، وبَشَّر وحذَّر، فقال: ﴿ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .

الآية (36): ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أي: كذَّبت بها قلوبهم، واستكبروا عن العمل بها ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أي: ماكثون فيها مكثًا مخلدًا.

الآية (37): يقول تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أي: لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله، أو كذب بآيات الله المنزلة. ﴿ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ اختلف المفسرون في معناه؛ فابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال؛ من عَمِل خيرًا جُزِي به، ومن عمل شرًا جُزِي به. وقال مجاهد: ما وُعدوا به من خير وشر. واختاره ابن جرير. وقال محمد بن كعب القُرَظِي: عمله ورزقه وعمره. وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ويصير المعنى في هذه الآية كما في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿٦٩ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس:69-70]. وقوله تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين بنزعهم عند الموت وقَبْض أرواحهم إلى النار، يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة، وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟! ادعوهم يخلصونكم مما أنتم فيه. قالوا: ﴿ ضَلُّوا عَنَّا أي: ذهبوا عنا، فلا نرجو نفعهم، ولا خيرهم ﴿ وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أي: أقرُّوا واعترفوا على أنفسهم ﴿ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ .