الآية (32): يقول تعالى مخاطبًا للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادَّعوا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولدًا، ومع هذا كذَّبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ﴾ أي: لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل: كذب على الله، وكَذَّب رسول الله، قالوا الباطل وردُّوا الحق؛ ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ وهم الجاحدون المكذبون.
الآية (33): ثم قال: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ هو رسول الله ﷺ. وقال السُّدي: هو جبريل عليه السلام، ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يعني: محمدًا ﷺ.
وقال ابن عباس: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ﴾: من جاء بلا إله إلا الله ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يعني: محمدًا ﷺ. وقرأ الربيع بن أنس: «الذين جاؤوا بالصدق» يعني: الأنبياء، «وصدقوا به» يعني: الأتباع.
وقال مجاهد: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين؛ فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير؛ فإنه جاء بالصدق، وصدق المرسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ هو رسول الله ﷺ، ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ المسلمون. ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: اتقوا الشرك.
الآية (34-35): ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يعني: في الجنة، مهما طلبوا وجدوا، ﴿ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٤﴾ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ [الأحقاف:16].
الآية (36-37): يقول تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ -وقرأ بعضهم: «عباده» - يعني: أنه تعالى يكفي مَن عَبَدَه وتوكل عليه.
﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ يعني المشركين؛ يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دونه؛ جهلًا منهم وضلالًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٦﴾ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾ أي: منيع الجناب، لا يُضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه؛ فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ.
الآية (38): وقوله: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ يعني: أن المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا؛ ولهذا قال: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ أي: لا تستطيع شيئًا من الأمر. عن ابن عباس مرفوعًا: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفَّت الصحف، ورُفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» [رواه أحمد والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر].
﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ أي: الله كافيَّ، عليه توكلت وعليه يتوكل المتوكلون؛ كما قال هود عليه السلام حين قال له قومه: ﴿ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴿٥٥﴾ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود:54-56].
الآية (39-40): وقوله: ﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد، ﴿ إِنِّي عَامِلٌ ﴾ أي: على طريقتي ومنهجي، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: ستعلمون غِبَّ ذلك ووباله ﴿ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي: في الدنيا.
﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه. وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منها.