حجم الخط:

الآيات (34-37)

الآية (34): ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذَا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك المُلْك الأعظم؛ لقوله : «لن يُفلِح قومٌ وَلَّوا أمْرَهُم امرأة» [رواه البخاري] وكذا منصب القضاء وغير ذلك. ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه ؛ فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قَيّمًا عليها، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:228]. قوله: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ أي: من النساء ﴿ قَانِتَاتٌ قال ابن عباس: يعني مطيعات لأزواجهن ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ قال السُّدي: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ أي: المحفوظ مَن حفظه. ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ المرأة الناشز: هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المُعْرِضَة عنه، المُبْغِضَة له. فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فلْيَعِظْها وليخوّفها عقابَ الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، روى البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح»، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ .

﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ قال ابن عباس: الهجر: ألا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويولّيها ظهره. زاد السُّدي والضحاك: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ أي: إذا لم يَرْتَدِعْنَ بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح. قال الفقهاء: هو ألا يكسر فيها عضوًا ولا يؤثر شينًا. ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها، مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب؛ فإن الله العلي الكبير وَلِيُّهن، وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.

الآية (35): ذكر الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ثم ذكر الحال الثاني وهو: إذا كان النفور من الزوجين، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق. وَتَشَوّف الشارع إلى التوفيق؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا . قال ابن عباس: أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل، ورجلًا مثله من أهل المرأة، فينظران: أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرُهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا، فرَضِي أحد الزوجين وكَرِه ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كَرِه، ولا يرث الكارهُ الراضي. وهذا مذهب جمهور العلماء: أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة. وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق. وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله تعالى: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ولم يذكر التفريق.

الآية (36): يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته. ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين؛ فإن الله سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرًا ما يقرنُ الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين؛ كقوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]. ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء. ثم قال: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ ؛ وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والـحُنُوّ عليهم. ثم قال: ﴿ وَالْمَسَاكِينِ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم. ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ قال ابنِ عَبَّاسٍ: يعني: الذي بينك وبينه قرابة ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ الذي ليس بينك وبينه قرابة. ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ عن علي وابنِ مسعودٍ: هي المرأة. وقال ابن عباس: هو الرفيق في السفر. وقال سعيد بن جُبَيْرٍ: هو الرفيق الصالح. وأما ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ فعن ابن عباس هو: الضيف. وقال مجاهد: هو الذي يمُرّ عليك مجتازًا في السفر. وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف: المار في الطريق، فهما سواء. ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة، أسير في أيدي الناس، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». [رواه مسلم]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا أي: مختالًا في نفسه، معجبًا متكبرًا، فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض.

الآية (37): يقول تعالى ذامًّا الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به [مما سبق ذكره] ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضًا. ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ فالبخيل جَحُودٌ لنعمة الله، لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله؛ ولهذا توعَّدهم بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه.

وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى.