حجم الخط:

الآيات (34-40)

الآية (34): يخبر تعالى أنهم أهلٌ لأنْ يعذبهم، ولكن لم يُوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله بين أظهرهم؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقُتِلَ صناديدُهم وأُسِرَتْ سَراتهم. وأرشد تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد. وقال قتادة والسُّدِّي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عُذّبوا. واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين، لوقع بهم البأس الذي لا يُرَدّ، ولكن دُفع عنهم بسبب أولئك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: 25]. عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في الأنفال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: 33]. فنسختها الآية التي تليها: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ إلى قوله: ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فقوتلوا بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر.

وعن ابن عباس: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . ثم استثنى أهل الشرك فقال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام؛ أي: الذي بمكة؛ يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به؟! ولهذا قال: ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله: النبي وأصحابه. وقال مجاهد: هم المجاهدون مَن كانوا، وحيث كانوا.

الآية (35): ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً قال ابن عباس ومجاهد: هو الصفير. وزاد مجاهد: وكانوا يُدخلون أصابعهم في أفواههم. وعن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عُرَاة تُصَفِّرُ وتصفق. والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخْلِطُوا بذلك على النبي صلاته. وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. قوله: ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ قال الضحاك: هو ما أصابهم يوم بَدْر من القتل والسَّبْي. واختاره ابن جرير، ولم يَحْكِ غيره.

الآية (36-37): [سبب النزول]: رُوي عن مجاهد وقتادة والسُّدِّي وغيرهم: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أُحُد لقتال رسول الله . وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر. وعلى كل تقدير، فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًا؛ فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أي: ندامة؛ حيث لم تُجْدِ شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله مُتمُّ نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، [ومُعْلي][1] كلمتِه، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوؤه، ومن قُتل منهم أو مات فإلى الخِزْي الأبدي والعذاب السَّرْمَدِي؛ ولهذا قال: ﴿ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . قوله: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ قال ابن عباس: فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء. وقال السُّدي: يميز المؤمن من الكافر. وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم:14]. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون «اللام» مُعلِّلة لما جعل الله للكافرين من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدَرْناهم على ذلك ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنُّكول عن ذلك؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ الآية [آل عمران:179]. فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبَذْلها في ذلك؛ ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ .

قوله: ﴿ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ أي: يجمعه كله، و[الرَّكْم] هو جمع الشيء بعضه على بعض، كما قال تعالى في السَّحاب: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا [النور:43] أي: متراكمًا متراكبًا.

﴿ فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

الآية (38): يقول تعالى لنبيه محمد : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا أي: عمّا هم فيه من الكفر والـمُشاقّة والعِناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة، ﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ أي: من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء عن ابن مسعود أن رسول الله قال: «مَن أحْسَن في الإسلام لم يُؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر» [متفق عليه]. قوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُوا أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي: فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذَّبوا واستمروا على عنادهم أنَّا نُعاجلهم بالعذاب والعقوبة.

الآية (39-40): قوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ قال ابن عباس: يعني: حتى لا يكون شرك. وقال عُرْوَة بن الزبير: حتى لا يُفتن مسلم عن دينه. وقوله: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ قال ابن عباس: يُخلَص التوحيد لله. وقال الحسن وقتادة: أن يقال: لا إله إلا الله. وقال ابن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك، ويُخلع ما دونه من الأنداد. وقال عبد الرحمن بن زيد: لا يكون مع دينكم كفر. ويشهد له ما ثبت عن رسول الله أنه قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» [متفق عليه]. قوله: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكَفُّوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ؛ كقوله: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:5]. قوله: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ سيّدكم وناصركم على أعدائكم، فـ﴿ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ .