حجم الخط:

الآيات (34-42)

الآية (34): ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ يقول: هَيَّأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم ممَّا تسألونه بحالكم وقالكم.

وقوله: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا يُخبر عن عَجز العباد عن تَعْدَاد النِّعَم فضلًا عن القيام بشُكرِها؛ كما قال طَلْق بن حبيب: إن حقَّ الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نِعَمَ الله أكثر من أن يُحْصِيهَا العباد، ولكن أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وَأَمْسُوا تَوَّابِينَ.

ورسول الله كان يقول: «اللهم، لك الحمد غير مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّعٍ، ولا مُسْتَغْنى عنه ربَّنا» [رواه البخاري].

وقال الشافعي -رحمه الله-: الحمد لله الذي لا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمَةٍ من نِعَمِه، إلا بِنِعْمَةٍ تُوجِب عَلَى مُؤدى مَاضِي نعَمه بِأَدَائِهَا نِعْمَةً حادثةً تُوجِبُ عَلَيْهِ شُكْرَهُ بِهَا.

وقال القائل في ذلك:

لو كلُّ جَارِحَةٍ مِنِّي لـهَا لغةٌ



تُثْنيِ عليك بِـما أولَيتَ مِنْ حَسَنِ


لكان ما زاد شُكْرِي إذ شَكَرْتُ بِهِ

إليك أبلغَ فِي الإحسَان والـمِـنَـنِ


الآية (35-36): يذكر تعالى في هذا المقام مُحْتَجًّا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة إنما وُضِعَتْ أَوَّلَ ما وُضِعَتْ على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم -الذي كانت عامرةً بسببه آهِلَةً- تَبَرَّأَ ممَّن عَبَدَ غيرَ الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا . وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴿٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:96، 97].

وقال في هذه القصة: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا ، فَعَرَّفَهُ لأنه دعا به بعد بنائها؛ ولهذا قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم:39]، ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة:126]، كما ذكرناه في سورة البقرة.

وقال: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ : ينبغي لكل داعٍ أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته.

ثم ذَكَرَ أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه بَرِيءٌ ممَّن عَبَدَها، وردَّ أَمرَهم إلى الله، إن شاء عذَّبَهم، وإن شاء غَفَر لهم، كما قال عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، وليس في هذا أكثر من الردِّ إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز وقوع ذلك.

الآية (37): وهذا يدلُّ على أن هذا دعاء ثانٍ بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولَّى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه، تأكيدًا ورغبةً إلى الله عز وجل ؛ ولهذا قال: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ .

وقوله: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ قال ابن جرير: هو مُتَعَلِّق بقوله: ﴿ الْمُحَرَّمِ أي: إنما جعلته مُحَرَّمًا لِيَتَمَكَّن أهله من إقامة الصلاة عنده، ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ قال ابن عباس: لو قال: «أفئدة الناس» لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: ﴿ مِنَ النَّاسِ فاختُصَّ به المسلمون.

وقوله: ﴿ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ أي: ليكون ذلك عونًا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل لهم ثمارًا يأكلونها.

وقد استجاب الله ذلك، كما قال: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص:57]، وهذا من لُطْفِه تعالى وكرمه ورحمته وبركته: أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تُجبَى إليها ثمرات ما حولها، استجابةً لخليله إبراهيم، عليه الصلاة والسلام.

الآية (38-41): قال ابن جرير: يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم خليله أنه قال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ أي: أنت تعلم قصدي في دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء.

ثم حَمِدَ ربَّه عز وجل على ما رَزَقَه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ أي: إنه ليَستَجِيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد.

ثم قال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ أي: محافظًا عليها مقيمًا لحدودها، ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي: واجعلهم كذلك مقيمين الصلاة.

﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ أي: فيما سألتك فيه كله. ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ : وقرأ بعضهم: «وَلِوَالِدِي» على الإفراد، وكان هذا قبل أن يتبرَّأ من أبيه لَـمَّا تبيَّن له عداوته لله عز وجل.

﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أي: كلهم ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ أي: يوم تُحَاسِب عبادك فَتَجْزِيهِم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشَرٌّ.

الآية (42): يقول تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يا محمد ﴿ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ أي: لا تَحْسَبَنَّه إذا أَنْظَرَهُم وأَجَّلَهُم أنه غافل عنهم مهمل لهم، لا يُعاقِبهم على صُنعهم، بل هو يُحصِي ذلك عليهم ويَعُدُّه عدًّا. ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ أي: من شدة الأهوال يوم القيامة.