الآية (37-38): قوله: ﴿ رِجَالٌ ﴾ فيه إشعار بِهِمَمِهم السَّامِية ونِيَّاتهم وعزائمهم العَالية التي بها صاروا عُمَّارًا للمساجد؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﱠ [الأحزاب:23].
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ لا تَشغَلُهم الدنيا وزُخْرُفها وزينتها ومَلاذُّ بَيعها ورِبحها عن ذِكْر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع ممَّا بأيديهم؛ لأن ما عندهم يَنفَد وما عند الله باقٍ؛ ولهذا قال: ﴿ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾ أي: يقدِّمون طاعته ومُرَاده ومحبَّته على مرادهم ومحبتهم. قال ابن عباس: ﴿ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة. وقال السُّدي: عن الصلاة في جماعة. وقوله: ﴿ يَخَافُونَ يَوْمًا ﴾ أي: يوم القيامة الذي ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ من شِدَّة الفَزَع وعظمة الأهوال؛ كما قال تعالىﱡﭐ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ﱠ [غافر: 18]. ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ﴾ أي: هؤلاء من الذين يَتَقَبَّل عنهم أحسن ما عملوا ويَتَجَاوَز عن سيئاتهم. ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي: يَتَقَبَّل منهم الـحَسَن ويُضَاعِفه لهم ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾.
الآية (39-40): هذان مثلان ضَرَبَهما الله تعالى لِنَوعَي الكفار؛ فأما الأول: فهو للكفار الدُّعَاة إلى كُفْرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمَثَلُهم في ذلك كالسراب الذي يُرَى في القيعان من الأرض عن بُعْد كأنَّه بَحرٌ طامٍ. ﴿ بِقِيعَةٍ ﴾ الْقِيعَةُ: جمع قاع، كجَار وجِيرَةٍ، والقاع أيضًا: واحد القيعان، كما يقال: جار وجيران. وهي: الأرض المستوية الـمُتَّسِعَة الـمُنْبَسِطَة، وفيه يكون السَّرَاب، يُرَى كَأنَّه ماءٌ بين السماء والأرض، فإذا رأى السَّرَاب من هو محتاج إلى الماء، حَسِبَه ماءً فقَصَدَه ليَشرَب منه، فلمَّا انتهى إليه ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾، فكَذَلك الكافر يَحسِبُ أنه قد عَمِلَ عَمَلًا، وأنه قد حَصَّل شيئًا، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها، ونُوقِشَ على أفعاله، لم يَجِدْ له شيئًا بالكُلِّية قد قُبِل؛ إمَّا لعدم الإخلاص، وإما لعدم سلوك الشرع؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان:23]. وقال ههنا: ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. وهكذا رُوي عن أُبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد.
وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب.
فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الأغشام الـمُقَلِّدُون لأئمة الكفر، الصُمُّ البُكْم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ قال قتادة: وهو العَمِيق ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ أي: لم يُقَارِبْ رؤيتها من شدَّة الظلام، فهذا مَثَلُ قَلْب الكافر الجاهل البسيط الـمُقَلِّدِ الذي لا يدري أين يذهب، ولا يعرف حال من يَقُوده. وقال ابن عباس: ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ﴾: يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أُبيّ بن كعب في قوله: ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾: فهو يَتَقَلَّبُ في خمسة من الظُّلَم: كلامه ظُلمَة، وعمله ظُلمَة، ومَدْخَله ظُلمَة، ومَخْرَجه ظُلمَة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات، إلى النار. وقال الربيع بن أنس والسُّدِّي نحو ذلك أيضًا. وقوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ أي: من لم يَهْده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، وهذا في مُقابلة ما قال في مثل المؤمنين: ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [المؤمنون:35] فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا، وأن يُعْظِم لنا نورًا.
الآية (41-42): يخبر تعالى أنه يُسَبِّحُ له من في السموات والأرض؛ أي: من الملائكة والأناسي، والجانِّ والحيوان، حتى الجماد؛ كما قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ الآية [الإسراء:44]. وقوله: ﴿ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ﴾ أي: في حال طيرانها تُسَبِّح ربها وتَعبُدُه بتسبيح أَلْـهَمَهَا وأَرْشَدَهَا إليه، وهو يَعلَم ما هي فاعلة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ أي: كُلٌّ قد أَرْشَدَهُ إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء فقال: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾.
ثم أخبر أن له: ﴿ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ فهو الحاكم الْـمُتَصَرِّفُ الذي لا مُعَقِّبَ لحكمه، وهو الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم:31]، فهو الخالق المالك، ألا له الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والآخرة.
الآية (43): يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أوَّلَ ما يُنْشِئُها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء، ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: يَجمَعُه بعد تَفَرُّقه، ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا ﴾ أي: متراكمًا، أي: يركب بعضه بعضًا، ﴿ فَتَرَى الْوَدْقَ ﴾ أي المطر ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ﴾ أي: «مِنْ خَلَلِهِ». وكذا قرأها ابن عباس والضحاك.
وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ﴾ قال بعض النحاة: «من» الأُوْلى لابتداء الغاية، والثانية للتَّبعِيض، والثالثة لبيان الجنس. وهذا إنما يَجِيءُ على قول من ذَهَب من المفسرين إلى أن معناه: أن في السماء جبالَ بَرَد يُنَزِّلُ الله منها البرد. وأما من جَعَل الجبال ههنا كنايةً عن السحاب، فإن «مِن» الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضًا، لكنها بَدَل من الأولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ﴾ يُحتَمَل أن يكون المراد بقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ ﴾ أي: بما يُنَزِّل من السماء من نوعي البرد والمطر، فيكون قوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ رحمةً لهم، ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: يُؤَخِّر عنهم الغَيْث.
ويُحتَمَل أن يكون المراد بقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ ﴾ أي: بالبرد نقمةً على من يشاء لِـمَا فيه من نَثْر ثمارهم وإتلاف زُرُوعهم وأشجارهم. ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ﴾ رحمةً بهم.
وقوله: ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ﴾ أي: يكاد ضَوء بَرْقِه من شِدَّته يَخْطِف الأبصار إذا اتَّبَعَتْه وتَرَاءَتْه.