حجم الخط:

الآيات (38-45)

الآية (38): لما رأى زكريا عليه السلام أن الله يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء طمع حينئذٍ في الولد، وكان شيخًا كبيرًا قد ضعُف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبًا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداءً خَفيًا، وقال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي: من عندك ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ أي: ولدًا صالحًا ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ .

الآية (39): قال الله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أي: خاطبته الملائكة شفاهًا خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه «يحيى». وقوله: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ عن ابن عباس والحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وغيرهم: أي: بعيسى ابن مريم. وقوله: ﴿ وَسَيِّدًا قال أبو العالية، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم: الحكيم. وقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحكيم المتّقي. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله. وقوله: ﴿ وَحَصُورًا رُوي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وغيرهم؛ أنهم قالوا: هو الذي لا يأتي النساء. وقد قال القاضي عياض في كتابه «الشفاء»: اعلم أن ثناء الله على يحيى أنه كان حَصُورًا ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هَيوبًا، أو لا ذكَر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونُقَّاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقد بان لك من هذا أنَّ عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها: إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله كيَحيى. ثم هي في حق من قَدَر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا محمد الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن وقيامه عليهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يُفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ ؛ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب. قوله: ﴿ وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

الآية (40): فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ أي الملك: ﴿ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر.

الآية (41): أي: علامة أستدِل بها على وجود الولد مني ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ أي: إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم:10]. ثم أمر بكثرة الذكر والتسبيح في هذه الحال، فقال: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ .

الآية (42): هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام عن أمر الله لهم بذلك: أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطُهرها من الأكدار والوسواس، واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين. وعن أبي موسى الأشعري قال: قال : «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» [متفق عليه].

الآية (43): ثم أخبر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسجود والركوع والدُّؤوب في العمل، لما يريد الله بها من الأمر الذي قدّره وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة؛ حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال: ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع؛ كما قال تعالى: ﴿ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116].

الآية (44): ثم قال تعالى لرسوله -بعدما أطلعه على جليّة الأمر-: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ أي: نقصُّه عليك ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أي: ما كنت عندهم يا محمد فَتُخْبر عنهم معاينةً عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرًا وشاهدًا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيُّهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.

الآية (45): هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام بأن سيوجد منها ولد عظيمٌ له شأن كبير. قال الله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: «كن» فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:39]. وقوله: ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي: يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك. وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين لا أخْمص لهما. وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى. وقوله: ﴿ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ نِسبةً له إلى أمه، حيث لا أب له، ﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منَحَهُ به. وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوةً بإخوانه مِن أُولي العزم، صلوات الله عليهم.