حجم الخط:

الآيات (39-46)

الآية (39-40): [سبب النزول]: قال ابن عباس: نَزَلت في محمد وأصحابه حين أُخْرِجوا من مكة. وقال غير واحد من السلف -كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وغيرهم-: هذه أول آية نَزَلَت في الجهاد. وعن ابن عباس قال: لَـمَّا أُخْرِج النبي من مكة قال أبو بكر: أَخْرَجوا نَبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، لَيَهْلِكُنَّ. قال ابن عباس: فأَنزَل الله عز وجل: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ قال أبو بكر رضي الله عنه: فعَرَفْتُ أنه سيكون قتال [رواه أحمد والترمذي وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقوله: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ أي: هو قادر على نَصْر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يُبْلُوا جَهْدَهم في طاعته؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: 31] ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وقد فَعَل. وإنما شَرَع الله تعالى الجهادَ في الوقت الأليَق به؛ لأنهم لَـمَّا كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أَمرَ المسلمين -وهم أقلُّ من العُشر- بقتال الباقين لشَقَّ عليهم؛ ولهذا لَـمَّا بايع أهلُ يثرب ليلة العقبة رسول الله ، وكانوا نَيِّفًا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألَا نَمِيل على أهل الوادي -يَعْنُون أهل مِنى- فنقتلهم؟ فقال رسول الله «إني لم أُومَرْ بهذا». فلمَّا بَغَى المشركون، وأخرجوا النبي من بين أظهرهم، وهَمُّوا بقتله، وشَرَّدُوا أصحابه شَذرَ مَذَر، فذَهَب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلمَّا استقرُّوا بالمدينة، ووافاهم رسولُ الله واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومَعْقِلًا يلجؤون إليه شَرَع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أوَّلَ ما نَزَل في ذلك. ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ قال ابن عباس: أُخْرِجوا من مكة إلى المدينة بغير حقٍّ، يعني: محمدًا وأصحابه. ﴿ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له. وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي: لولا أنه يَدْفَع عن قوم بقوم، ويَكشِفُ شَرَّ أناس عن غيرهم بما يَخلُقه ويُقَدِّرُه من الأسباب، لفَسَدَت الأرض، وأَهْلَكَ القويُّ الضعيفَ. ﴿ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وعِكْرِمة وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين. وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حَيَّان: هي البيوت التي على الطرق. ﴿ وَبِيَعٌ وهي أَوسَع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وغيرهم. وحكي عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَصَلَوَاتٌ قال ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود. وهم يسمونها صلوات. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات: معابد الصابئين. وقال مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بِالطُّرُق. وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: ﴿ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فقد قيل: الضمير في قوله: ﴿ يُذْكَرُ فِيهَا عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات. وقال الضحاك: الجميع يُذكر فيها اسم الله كثيرًا. وقال ابن جرير: الصوابُ: لَهُدِّمَتْ صوامع الرهبان وبِيَعُ النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يُذكَر فيها اسم الله كثيرًا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقوله: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ كقوله: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ وَصَف نفسه بالقوة والعِزَّة، فبِقُوَّته خَلَق كلَّ شيء فَقَدَّرَه تقديرًا، وَبِعِزَّتِه لا يَقْهَرُه قاهر، ولا يَغلِبُه غالب، بل كلُّ شيء ذليل لديه، فقير إليه. ومن كان القويُّ العزيز ناصِرَه فهو المنصور، وعَدُوُّه هو المقهور؛ قال الله تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21].

الآية (41): قال عثمان بن عفان: فينا نَزَلَت: أُخْرِجْنا من ديارنا بغير حقٍّ إلا أن قلنا: «ربُّنا الله»، ثم مُكِّنَّا في الأرض، فأَقَمْنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأَمَرْنا بالمعروف، ونَهيْنا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي. وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ كقوله تعالى ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]. وقال زيد بن أسلم: ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ : وعند الله ثواب ما صنعوا.

الآية (42-46): يقول تعالى مسليًا نبيَّه محمدًا في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ إلى أن قال: ﴿ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات، ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ أي: أَنْظَرْتُهُم وأَخَّرْتُهُم، ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟! وفي الصحيحين عن أبي موسى عن رسول الله أنه قال: «إن الله لَيُمْلِي للظالم حتى إذا أَخَذَه لم يُفْلِتْه، ثم قرأ: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

ثم قال تعالى: ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أي: كم من قرية أهلكتُها، ﴿ وَهِيَ ظَالِمَةٌ أي: مُكَذِّبَة لرسولها، ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قال الضحاك: سُقُوفها، أي: قد خَرِبَت منازلها وتَعَطَّلَت حواضرها. ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي: لا يُسْتَقَى منها، ولا يَرِدُها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها، ﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال عكرمة: المُبَيّض بِالْـجِصِّ. وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المَلِيح والضحاك نحو ذلك، وقال آخرون: هو المُنيف المرتفع. وقال آخرون: الشديد المنيع الحصين. وكلُّ هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها؛ فإنه لم يَحْمِ أهله شدةُ بنائه ولا ارتفاعُه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78].

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضًا، وذلك كافٍ، ﴿ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا أي: فيعتبرون بها، ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة وإن كانت القوة الباصرة سليمة؛ فإنها لا تنفذ إلى العِبَر، ولا تدري ما الـخَبَر.