حجم الخط:

الآيات (42-50)

الآية (42): قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ، أي: من قبلكم، ﴿ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ أي: فانظروا ماذا حلَّ بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.

الآية (43-45): يقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته، والمبادرة إلى الخيرات: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي: يوم القيامة، إذا أراد كونه فلا راد له، ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير.

ولهذا قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴿٤٤ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ أي: يجازيهم مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور.

الآية (46): يذكر تعالى نعمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، بمجيء الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد ﴿ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ أي: في البحر، وإنما سيَّرها بالريح، ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي: في التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقُطر إلى قُطر، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى.

الآية (47): ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا هذه تسلية الله لعبده ورسوله محمد بأنه وإنْ كذَّبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كُذبت الرسل المتقدمون مع ما جاؤوا أممهم به من الدلائل الواضحات، ولكن الله انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم. ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ أي: هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرُّمًا وتفضلًا؛ كقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

الآية (48): يبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء فقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ، إما من البحر على ما ذكره غير واحد، أو ممَّا يشاء الله عز وجل ، ﴿ فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ أي: يَمُدّه فيكثّره وينميه، ويجعل من القليل كثيرًا، ينشئ سحابة فتُرَى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثِقالًا مملوءة ماء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف:57]، وكذلك قال ههنا: ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا قال مجاهد، وأبو عمرو بن العلاء، ومطر الورّاق، وقتادة: يعني قِطعًا.

وقال غيره: متراكمًا؛ قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مُدْلَهِمًّا ثقيلًا قريبًا من الأرض.

وقوله تعالى: ﴿ فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ أي: فترى المطر -وهو القطر- يخرج من بين ذلك السحاب.

﴿ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي: لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم.

الآية (49-50): قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر كانوا قَنِطِين أَزِلِين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم، جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعًا عظيمًا.

ثم نبّه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .