الآية (43-44): ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ يعني: بل يُؤْخَذون حَسَب ما قَدَّر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعِلمه قبل كونهم، أمةً بعد أمة، وقَرْنًا بعد قَرْن، وجيلًا بعد جيل، وخَلفًا بعد سَلَف.
﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ﴾ قال ابن عباس: يعني يَتْبَع بعضهم بعضًا.
﴿ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ﴾ يعني: جمهورهم وأكثرهم؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [يس:30]. ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا ﴾ أي: أهلكناهم.
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ أخبارًا وأحاديث للناس؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ الآية [سبأ:19] ﴿ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.
الآية (45-49): يُخبِر تعالى أنه بَعَثَ رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون إلى فرعون ومَلَئِه، بالآيات والـحُجَج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بَشَرَين كما أَنكَرَت الأمم الماضية بِعْثَة الرسل من البَشَرِ، تَشَابَهَت قلوبهم، فأَهْلَك الله فرعون وملَأَه، وأَغرَقَهم في يوم واحد أجمعين، وأَنزَلَ على موسى الكتاب -وهو التوراة- فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قَصَمَ الله فرعون والقِبْطِ، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن أَنزَلَ الله التوراة لم يُهلِكْ أُمةً بعامةٍ، بل أَمَرَ المؤمنين بقتال الكافرين؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﱠ [القصص: 43].
الآية (50): يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم -عليهما السلام- أنه جَعَلَهما آيةً للناس: أي حجةً قاطعةً على قدرته على ما يشاء؛ فإنه خَلَقَ آدم من غير أبٍ ولا أمٍّ، وخَلَقَ حوَّاءَ من ذَكَر بلا أنثى، وخَلَقَ عيسى من أنثى بلا ذَكَر، وخَلَقَ بقيَّةَ الناس من ذَكَر وأنثى.
وقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ قال ابن عباس: الرَّبْوَة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات. وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة. قال ابن عباس: وقوله: ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ ﴾ ذات خصب ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ يعني: ماء ظاهرًا.
وعن ابن عباس: ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ قال: أنهار دمشق. وقال مجاهد: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ﴾ عيسى ابن مريم وأمه حين أَوَيَا إلى غُوطَةِ دمشق وما حولها. وأقرب الأقوال في ذلك ما روي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ [مريم:24]. وكذا قال الضحاك وقتادة: هو بيت المقدس. فهذا والله أعلم هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى. والقرآن يُفَسِّر بعضه بعضًا.
الآية (51-56): يأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدَلَّ هذا على أن الحلال عَون على العمل الصالح، فقام الأنبياء -عليهم السلام- بهذا أتمَّ القيام، وجمعوا بين كل خير، قولًا وعملًا ودَلالةً ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا. قال الحسن البصري: أما والله ما أُمِرُوا بِأَصْفَرِكم ولا أَحْمَرِكم، ولا حُلْوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير والضحاك: ﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ يعني: الحلال. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، إنَّ الله طَيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أَمَرَ به المرسلين، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾. وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة:172]. ثم ذَكَرَ الرجل يُطِيلُ السَّفَر أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حرام، ومَشرَبُه حرام، ومَلبَسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!». ﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: دينكم -يا معشر الأنبياء- دين واحد، وملة واحدة؛ وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾.
وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ﴾ أي: الأمم الذين بُعِث إليهم الأنبياء ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون؛ ولهذا قال مُتَهدِّدًا لهم ومُتَوَعِّدًا: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ أي: في غَيِّهم وضلالهم ﴿ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ أي: إلى حين حينهم وهلاكهم. ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزَّتهم عندنا؟! كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ [سبأ:35]، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاءً؛ ولهذا قال: ﴿ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾. قال قتادة في قوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تَعْتَبِر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.
الآية (57-59): يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وَجِلُون مِن مَكْرِهِ بهم؛ كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جَمَع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافق جَمَعَ إساءةً وأمنًا. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية؛ كقوله تعالى إخبارًا عن مريم -عليها السلام-: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ [التحريم:12]، أي: أيقنت أن ما كان إنَّما هو عن قَدَر الله وقضائه، وما شَرَعه الله فهو إن كان أمرًا فمِمَّا يُحبُّه ويرضاه، وإن كان نهيًا فهو ممَّا يَكرَهه ويأباه، وإن كان [خبرًا] فهو حقٌّ، كما قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: لا يعبدون معه غيره، بل يُوحِّدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدًا صمدًا، لم يَتَّخِذ صاحبةً ولا ولدًا، وأنه لا نظير له ولا كفء له.