حجم الخط:

الآيات (45-51)

الآية (45-46): ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا أي: على النار، ﴿ خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ أي: الذي قد اعْتَرَاهم بما أَسْلَفوا من عصيان الله، ﴿ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال مجاهد: يعني ذليل، أي يَنْظُرُون إليها مُسَارقَةً خوفًا منها، والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم ممَّا في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك.

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا أي: يقولون يوم القيامة: ﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ أي: الخسار الأكبر ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: ذهب بهم إلى النار، فعَدِمُوا لَذَّتَهُم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرِّقَ بينهم وبين أصحابهم وأحبابهم وأهاليهم وقراباتهم، فَخَسِرُوهم، ﴿ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ أي: دائم سرمدي أبدي. لا خروج لهم منها ولا مَحِيدَ لهم عنها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: ينقذونهم ممَّا هم فيه من العذاب والنَّكَال.

﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ أي: ليس له خلاص.

الآية (47-48): لَـمَّا ذَكَر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة حَذَّر منه وأَمَر بالاستعداد له، فقال: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي: إذا أَمَرَ بكونه فإنه كلَمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع.

وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أي: ليس لكم حِصن تَتَحَصَّنون فيه، ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه، فتغيبون عن بصره تبارك وتعالى، بل هو محيط بكم بعِلْمِه وبَصَرِه وقدرته، فلا مَلْجَأَ منه إلا إليه، ﴿ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ﴿١٠ كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿١١ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة:10-12].

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا يعني: المشركين ﴿ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا أي: لست عليهم بمصيطر. وقال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40]. وقال ههنا: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ أي: إنَّما كَلَّفْنَاكَ أن تُبْلِغَهم رسالة الله إليهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك، ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ يعني الناس ﴿ سَيِّئَةٌ أي: جَدْب ونقمة وبلاء وشدة، ﴿ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ أي: يجحد ما تقدَّم من النعمة ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أَشِرَ وبَطِرَ، وإن أصابته مِحْنَةٌ يَئِسَ وقَنِطَ.

كما قال رسول الله للنساء: «يا معشر النساء، تَصَدَّقْنَ فإني رأيتُكُنَّ أكثرَ أهل النار» فقالت امرأة: ولِـمَ يا رسول الله؟ قال: «لِأنـَّـكُنَّ تُكْثِرن الشِّكَايَة، وتَكْفُرْنَ العشير، لو أَحْسَنْتَ إلى إحداهن الدَّهْر، ثم تَرَكْتَ يومًا قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قَطّ» [رواه مسلم].

وهذا حال أكثر الناس إلا من هداه الله وأَلْـهَمَهُ رُشْدَهُ، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال رسول الله : «إن أصابته سراء شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاء صَبَرَ فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» [رواه مسلم].

الآية (49-50): يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يُعْطِي من يشاء، ويَمْنَع من يشاء، ولا مانع لِـمَا أعطى، ولا معطي لِـمَا مَنَع، وأنه يخلق ما يشاء، و﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا أي: يرزقه البنات فقط، ﴿ وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أي: يرزقه البنين فقط، لم يُولَد له أنثى، ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا أي: ويُعطِي من يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى، أي: من هذا وهذا.

﴿ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا أي: لا يُولَد له. فجَعَل الناس أربعة أقسام: منهم من يُعطِيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يَمْنَعه هذا وهذا، فيَجْعَله عقيمًا لا نَسْلَ له ولا يُولَد له.

﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ أي: بمن يَسْتَحِقُّ كل قسم من هذه الأقسام، ﴿ قَدِيرٌ أي: على [ما] يشاء من تفاوت الناس في ذلك.

وهذا المقام شبيه بقوله تعالى عن عيسى: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] أي: دلالة لهم على قدرته تعالى وتقدَّس؛ حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم عليه السلام مخلوق من تراب لا من ذَكَرٍ ولا أنثى، وحواء مخلوقة من ذَكَر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى عليه السلام من ذَكَرٍ وأنثى، وعيسى عليه السلام من أنثى بلا ذَكَر، فتَمَّت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم ؛ ولهذا قال: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] فهذا المقام في الآباء، والمقام الأول في الأبناء، وكلٌّ منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير.

الآية (51): هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله عز وجل ، وهو أنه تعالى تارةً يقذِف في رُوْعِ النبي شيئًا لا يَتَمَارَى فيه أنه من الله عز وجل ، كما جاء عن رسول الله أنه قال: «إن رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعِي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأَجْمِلُوا في الطَّلَب» [رواه ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني]. وقوله: ﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كما كلَّم موسى عليه السلام؛ فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فَحُجِبَ عنها. وفي الصحيح[1] أن رسول الله قال لجابر بن عبد الله: «ما كَلَّمُ الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وإنه كَلَّمَ أباك كفاحًا» الحديث [رواه الترمذي وابن ماجه، وحَسَّنه الألباني]، وكان قد قُتِلَ يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ كما ينزل جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة على الأنبياء .

﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ فهو عليٌّ عليم خبير حكيم.