الآية (46-47): ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي: الذين وعدتُ إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ﴾ [هود:40]، فكان هذا الولد ممن سَبَق عليه القول بالغرق؛ لكُفره ومخالفته أباه نبيَّ الله نوحًا عليه السلام.
وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زِنْية. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنَتْ امرأة نبيٍّ قطّ! قال: وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي: الذين وعدتُك نجاتَهم.
وقولُ ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه؛ فإن الله سبحانه أغْيَرُ من أن يُمكّن امرأة نبيٍّ من الفاحشة، ولهذا غضب الله على الذين رَمَوا أم المؤمنين عائشة بنتَ الصدّيق زوجَ النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور:11-15].
وقال ابن عباس: هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة: في بعض الحروف: «إنه عَمِل عملًا غير صالح».
الآية (48): ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام حين أرست السفينة على الجوديّ، من السلام عليه، وعلى من معه من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة.
وقال ابن إسحاق: لما أراد أن يكف الطوفان أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء، وانسدَّت ينابيع الأرض وأبواب السماء، يقول الله تعالى: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾ الآية [هود:44]، فجعل الماء ينقص ويَغيض ويُدْبِرُ، و﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا ﴾ الآية.
الآية (49): ﴿ تِلْكَ ﴾ يقول تعالى لنبيّه ﷺ: هذه القصة وأشباهها ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾ يعني: من أخبار الغيوب السالفة؛ نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها، ﴿ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ﴾ أي: نُعلمك بها وحيًا منا إليك، ﴿ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ﴾ أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها، حتى يقول من يُكَذِّبُك: إنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح، كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذَّبك من قومك وأذاهم لك؛ فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية [غافر:51]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴾ الآية [الصافات:171-172]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.
الآية (50-51): ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى ﴿ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أُجرةً على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطرَهُ، ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أُجرة.
الآية (52): ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾: ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسَّر الله عليه رزقه، وسهَّل عليه أمره، وحفظ شأنه؛ ولهذا قال: ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾.
الآية (53): يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيِّهم: ﴿ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدَّعيه، ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ﴾ أي: بمجرد قولك: «اتركوهم» نتركهم، ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بمصدقين.