حجم الخط:

الآيات (48-56)

الآية (48): ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.

الآية (49): يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله عز وجل وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوَّله منه نعمة بغى وطغى، وقال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ أي: لما يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله تعالى خَصِيصٌ لما خَوَّلني هذا! ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: ليس الأمر كما زعم، بل أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟! مع علمنا المتقدم بذلك، فهي فتنة أي: اختبار، ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فلهذا يقولون ما يقولون، ويَدّعون ما يَدّعون.

الآية (50-52): ﴿ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: قد قال هذه المقالة، وزعم هذا الزعم، وادَّعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ﴿ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: فما صح قولهم، ولا مَنَعَهم جَمْعُهُم وما كانوا يكسبون. ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَٰؤُلَاءِ أي: من المخاطبين ﴿ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا أي: كما أصاب أولئك، ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ كما قال تعالى مخبرًا عن قارون أنه قال له قومه: ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٧٦ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص:76-78].

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أي: يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لَعِبَرًا وحُجَجًا.

الآية (53): هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفَرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يُغفر لمن لم يتب منه. عن ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفارة. فنزل: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان:68]، ونزل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [رواه البخاري ومسلم]. والمراد من الآية الأولى قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا الآية [الفرقان:70]، فالمراد: أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنَطَنَّ عبدٌ من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [التوبة:104]، وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النساء:145-146]، وقال ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:73]، ثم قال: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74]. وقال تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج:10] قال الحسن البصري: انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!. وقال ابن عباس: قد دعا الله إلى مغفرته مَن زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عُزيرًا ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74]، ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولًا من هؤلاء: من قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ [النازعات:24]، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي [القصص:38]. قال ابن عباس: مَن آيسَ عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحَد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وعن شُتَير بن شَكَل أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، وإنّ أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل:90]، وإن أكثر آية في القرآن فرَجًا في سورة الغُرَف: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وإنّ أشد آية في كتاب الله تفويضًا: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]. فقال له مسروق: صدقت. وعن أبي الكنود قال: مَرَّ عبد الله - يعني ابن مسعود - على قاصّ، وهو يذكر الناس، فقال: يا مُذكّر، لِـمَ تُقَنِّط الناس؟ ثم قرأ: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ .

الآية (54-56): ثم استحثَّ تعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وهو القرآن العظيم، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون.

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: يوم القيامة يتحسّر المجرم المفرّط في التوبة والإنابة، ويوَدّ لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عز وجل. ﴿ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق.