الآية (48-50): ﴿ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ ومع هذا ما رَجَعوا عن غَيِّهِم وضلالهم، وجهلهم وخَبَالهم. وكلَّما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرعون إلى موسى عليه السلام، ويَتَلَطَّفُون له في العبارة بقولهم: ﴿ يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ﴾ أي: العالِـم، قاله ابن جرير. وكان علماء زمانهم هم السَّحَرة. ولم يكن السِّحْر عندهم في زمانهم مذمومًا، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم؛ لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تُنَاسِب ذلك، وإنما هو تعظيم في زَعْمهم، ففي كل مرة يَعِدُون موسى عليه السلام إنْ كَشَفَ عنهم هذا أن يؤمنوا ويُرْسِلُوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة يَنْكُثُون ما عاهدوا عليه.
الآية (51-56): يقول تعالى مُخْبِرًا عن فرعون وتَمَرُّدِه وعُتُوِّه وكفره وعناده: أنه جَمَعَ قومه، فنادى فيهم مُتَبَجِّحًا مُفْتَخِرًا بمُلْك مِصر وتَصَرُّفه فيها: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴾؟ قال قتادة: قد كانت لهم جنان وأنهار ماء، ﴿ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾؟! أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والـمُلْك، يعني: وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء. وقوله: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ يعني فرعون -عليه اللعنة- أنه خير من موسى عليه السلام. وقد كَذَبَ في قوله هذا كذبًا بَيِّنًا واضحًا، فعليه لعائن الله الـمُتَتَابِعَة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: ﴿ مَهِينٌ ﴾ كما قال سفيان: حقير. وقال قتادة والسُّدِّي: يعني: ضعيف. وقال ابن جرير: يعني: لا مُلْكَ له ولا سلطان ولا مال. ﴿ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ يعني: لا يكاد يُفْصِح عن كلامه، فهو عَيِيٌّ حَصِرٌ. قال السُّدِّي: أي: لا يكاد يُفْهِم. وقال قتادة والسُّدِّي وابن جرير: يعني: عَيِيّ اللسان. وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الـجَمْرة حين وَضَعَها في فيه وهو صغير. وهذا الذي قاله فرعون -لعنه الله- كَذِب واختلاق، وإنما حَمَلَه على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى عليه السلام بعين كافرة شَقيَّة، وقد كان موسى عليه السلام من الجلالة والعظمة والبَهَاء في صورة يُبْهِرُ أبصارَ ذوي الألباب.
وقوله: ﴿ مَهِينٌ ﴾ كَذِب، بل هو المهين الحقير خِلْقةً وخُلُقًا ودِينًا. وموسى عليه السلام هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد.
وقوله: ﴿ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ افتراء أيضًا؛ فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صِغَره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله عز وجل أن يَحُلَّ عُقْدةً من لسانه ليَفْقَهُوا قوله، وقد استجاب الله له في قوله: ﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ ﴾ [طه:36]، وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يَسْأَلْ إزالته، كما قاله الحسن البصري، وإنما سأل زوال ما يَحصل معه الإبلاغ والإفهام، فالأشياء الـخَلْقيَّة التي ليست من فِعْل العبد لا يُعَابُ بها ولا يُذَمُّ عليها، وفرعون إن كان يَفهَم وله عَقل فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته؛ فإنهم كانوا جَهَلة أغبياء، وهكذا قوله: ﴿ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ﴾ أي: وهي ما يُجْعَل في الأيدي من الـحُليِّ، قاله ابن عباس وقتادة وغير واحد.
﴿ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ أي: يكتنفونه خدمةً له ويشهَدُون بتصديقه، نَظَر إلى الشَّكْل الظاهر، ولم يَفْهَم السِّرَّ المعنوي الذي هو أَظْهَر ممَّا نَظَر إليه، لو كان يعلم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أي: استخفَّ عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾. قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ آسَفُونَا ﴾: أسخطونا. وقال الضحاك عنه: أغضبونا. وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم. عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله عز وجل يُعْطِي العبد ما شاء، وهو مُقِيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له»، ثم تلا: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [رواه أحمد، وصححه الألباني]. وقال عمر بن عبد العزيز: وجدتُ النِّقْمة مع الغفلة. وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ﴾ قال أبو مِـجْلَزٍ: ﴿ سَلَفًا ﴾ لـمِثْلِ مَن عَمِل بعملهم. وقال هو ومجاهد: ﴿ وَمَثَلًا ﴾ أي: عبرةً لمن بعدهم.
الآية (57-60): يقول تعالى مُخْبِرًا عن تَعَنُّتِ قريش في كفرهم وتَعَمُّدِهم العناد والـجَدَل: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: يضحكون، أي: أُعْجِبُوا بذلك. وقال قتادة: يَجْزَعُون ويضحكون. وقال إبراهيم النخعي: يُعْرِضُون.
[سبب النزول]: قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال لقريش: «يا معشر قريش، إنه ليس أحد يُعْبَدُ من دون الله فيه خير»، وقد عَلِمَتْ قريش أن النصارى تَعبُد عيسى ابن مريم... فقالوا: يا محمد، ألستَ تَزعم أن عيسى كان نَبِيًّا وعَبْدًا من عباد الله صالـحًا؟! فإن كنت صادقًا كان آلهتهم كما تقولون. قال: فأَنزلَ الله: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقال مجاهد: قالت قريش: إنما يُريد محمد أن نَعْبُدَه كما عَبَدَ قوم عيسى عيسى. ونحو هذا قال قتادة.
وقوله: ﴿ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ قال قتادة: يقولون: آلهتنا خير منه. يعنون محمدًا ﷺ. وقوله: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ﴾ أي: مِرَاءً، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية؛ لأنها لِـمَا لا يعقل، وهي قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء:98]. ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يُوردوه، فتَعَيَّنَ أن مقالتهم إنما كانت جَدَلًا منهم، ليسوا يعتقدون صحتها. وقال رسول الله ﷺ: «ما ضَلَّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه، إلا أُورِثُوا الـجَدَل»، ثم تلا هذه الآية: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني]. وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ يعني: عيسى عليه السلام ما هو إلا عَبْدٌ أَنْعَمَ الله عليه بالنبوة والرسالة، ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: دلالةً وحجةً وبرهانًا على قدرتنا على ما نشاء. وقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ ﴾ أي: بَدَلَكم ﴿ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ قال السُّدِّي: يخلفونكم فيها. وقال ابن عباس وقتادة: يَخْلُفُ بعضهم بعضًا، كما يخلف بعضكم بعضًا. وهذا القول يستلزم الأول. وقال مجاهد: يعمرون الأرض بَدَلَكُم.