الآية (49-50): ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهبَ الباطل وزهق واضمحل؛ كقوله: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ [الأنبياء:18]، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يَطعن الصنم بسِيَة قَوْسِه، ويقرأ: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء:81]، ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [متفق عليه]. أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله عز وجل من الوحي والحق المبين؛ فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه. ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ أي: سميع لأقوال عباده، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
الآية (51-52): يقول تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ ﴾ -يا محمد- إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة ﴿ فَلَا فَوْتَ ﴾ أي: فلا مفر لهم، ولا وَزَر ولا ملجأ ﴿ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: لم يُمَكَّنُوا أَنْ يُمْعِنُوا فِي الْهَرَب بَلْ أُخِذُوا مِنْ أَوَّل وَهْلَة. قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم. وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني: قتلهم يوم بدر. والصحيح: أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذُكر متصلًا بذلك. ﴿ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ ﴾ أي: يوم القيامة يقولون: آمنا بالله وبكتبه ورسله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ [السجدة:12]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ أي: وكيف لهم تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد. قال مجاهد: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ ﴾ التناول لذلك. وقال الزهري: التناوش: تناولهم الإيمان وهم في الآخرة، وقد انقطعت عنهم الدنيا. وقال الحسن البصري: أمَا إنهم طلبوا الأمر من حيث لا يُنال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد. وقال ابن عباس: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه، وليس بحين رجعة ولا توبة.
الآية (53-54): ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا بالرسل؟! ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قال زيد بن أسلم: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ ﴾: بالظن. قلت: كما قال تعالى: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾ [الكهف:22]، فتارة يقولون: شاعر. وتارة يقولون: كاهن. وتارة يقولون: ساحر. وتارة يقولون: مجنون. إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالغيب والنشور والمعاد، ويقولون: ﴿ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ [الجاثية:32]. قال قتادة: يرجمون بالظن، لا بعث ولا جنة ولا نار. ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ قال الحسن البصري: يعني: الإيمان. وقال السُّدي: هي التوبة. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله- وقال مجاهد: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ من هذه الدنيا، من مال وزهرة وأهل. وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر. والصحيح: أنه لا منافاة بين القولين؛ فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة، فمُنعوا منه. وقوله: ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة للرسل، لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿٨٤﴾ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر:84-85]. ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يُتقبَّل منهم الإيمان عند معاينة العذاب.