حجم الخط:

الآيات (51-57)

الآية (51-53): ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدَّد وتوعَّد من يتعاطى ذلك فقال: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . وقوله: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شك وريب ونفاق ﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ أي: يتأوَّلون في مَوَدَّتهِم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أَمْرٌ مِن ظَفَر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أيادٍ عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك، عند ذلك قال تعالى: ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ قال السُّدي: يعني فتح مكة، وقال غيره: يعني القَضَاء والفَصْل، ﴿ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ قال السُّدي: يعني ضَرْب الجزية على اليهود والنصارى، ﴿ فَيُصْبِحُوا يعني: الذين وَالَوا اليهود والنصارى من المنافقين، ﴿ عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الموالاة ﴿ نَادِمِينَ أي: على ما كان منهم، ممَّا لم يُجْدِ عنهم شيئًا، ولا دَفَع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة؛ فإنهم فُضِحُوا وأَظْهَر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يُدْرَى كيف حالهم. فلمَّا انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبيَّن أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتَعَجَّبُوا منهم كيف كانوا يُظهِرون أنهم من المؤمنين، ويَحلِفون على ذلك ويتألَّوْن؟! فبَان كَذِبُهم وافتراؤهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ .

[سبب النزول]: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين: قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث! وقال الآخر: وأما أنا فأذهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله عز وجل ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ الآيات. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله إلى بني قريظة، فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح.

الآية (54-56): يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدُّ منَعةً وأقوم سبيلًا، كما قال: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]. وقال ههنا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه. ورُويَ عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كنْدَة، ثم من السَّكُون. وعن الأشعري رضي الله عنه قال: لَـمَّا نزلت: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال رسول الله : «هم قوم هذا» [رواه ابن جرير، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ هذه صفات المؤمنين الكُمَّل: أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووَلِيِّه، متعززًا على خصمه وعدوه؛ كما قال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]. ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ أي: لا يردُّهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردُّهم عن ذلك رادٌّ، ولا يصدُّهم عنه صادٌّ، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل. عن أبي ذر قال: أمرني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدْبَرَت، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مُرًّا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنهن من كنز تحت العرش [رواه أحمد وصحح إسناده شاكر]. ﴿ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ أي: من اتَّصَف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له، ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أي: واسع الفضل، عليمٌ بمن يستحق ذلك ممن يَحْرمه إياه. ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعةٌ إلى الله ورسوله والمؤمنين. ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أي: المؤمنون المتَّصِفُون بهذه الصفات من: إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي لله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. وأما قوله: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ فقد توهَّم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أي: في حال ركوعهم! ولو كان هذا كذلك، لكان دَفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح! وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى. وهنا آثار في ذلك، وليس يصح شيء منها بالكلّية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. [سبب النزول]: وهذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرَّأ من حِلْف يَهُود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ؛ كما قال: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٢١ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:21-22]، فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة.

الآية (57): وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأُخروي، يتخذونها ﴿ هُزُوًا يستهزئون بها، ﴿ وَلَعِبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد. قوله: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء. والمراد بالكفار ههنا: المشركون. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا؛ كما قال: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28].