الآية (52-53): هذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاؤوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم. قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ﴾؟! هذا استفهام إنكار؛ أي: ليس لهم نصيب من الملك. ثم وصفهم بالبخل فقال: ﴿ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾ أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدًا من الناس - ولا سيما محمدًا ﷺ - شيئًا، ولا ما يملأ «النقير»، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين. وهذه الآية كقوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ﴾ [الإسراء:100].
الآية (54-55): ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ ﴾ يعني بذلك: حَسَدَهم النبيَّ ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنَعَهم من تصديقهم إياه حسدُهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل. ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ أي: فقد جَعَلْنا في أسباط بني إسرائيل -الذين هم من ذرية إبراهيم- النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن -وهي الحكمة- وجعلنا منهم الملوك، ومع هذا ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ أي: كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟! ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
الآية (56): يخبر تعالى عما يعاقِب به في نار جهنم من كفر بآياته وصدّ عن رسله، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ الآية، أي: نُدخلهم فيها دخولًا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾.
الآية (57): هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولًا. ﴿ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة. ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ أي: ظلًا عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا.
الآية (58): يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وهذا يعُمّ جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض: كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بيّنَةٍ على ذلك. [سبب النزول]: ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة لَـمَّا أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم ردَّه عليه. وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام؛ ولهذا قال ابن عباس: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد. ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ أمرٌ منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس؛ ولهذا قال محمد بن كعب: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء، يعني: الحُكَّام بين الناس. ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ ﴾ أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ أي: سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم.
الآية (59): [سبب النزول]: عن علي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، فلما خرجوا وَجَدَ عليهم في شيء، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبًا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله؛ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. فرجعوا إلى رسول الله فأخبروه، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا؛ إنما الطاعة في المعروف» [متفق عليه]. وقال ابن عباس: ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ يعني: أهل الفقه والدين. وقال مجاهد: يعني: العلماء. والظاهر-والله أعلم- أن الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء؛ قال تعالى: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ [المائدة:63]. عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: «ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» [متفق عليه]. ولهذا قال تعالى: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ أي: خذوا بسنته ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما في الحديث: «إنما الطاعة في المعروف» [متفق عليه]. ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ قال مجاهد: أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:10]، فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ فدلّ على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر. ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلًا، كما قاله السُّدي. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب.