الآية (52-57): ﴿ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴾ أي: أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟! يعني: يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد. ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ قال مجاهد والسدي: لمحاسبون! وقال ابن عباس ومحمد بن كعب القُرَظي: لمجزيّون بأعمالنا؟! وكلاهما صحيح. ﴿ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾ أي: مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة ﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: يعني في وسط الجحيم. وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتّقد. ﴿ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ يقول المؤمن مخاطبًا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك.
﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ أي: ولولا فضل الله عليّ لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت، مُحضَر معك في العذاب، ولكنه تفضَّل ورحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده، ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف:43].
الآية (58-61): ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ هذا من كلام المؤمن مُغْبِطًا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾. قال ابن عباس في قول الله لأهل الجنة: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الطور:19]: قوله: ﴿ هَنِيئًا ﴾ أي: لا يموتون فيها، فعندها قالوا: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾. وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإنَّ الموت يقطعه، فقالوا: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾؟! قيل: لا. قالوا: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾. قوله: ﴿ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ قال قتادة: هذا من كلام أهل الجنة. وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة.
الآية (62): يقول الله تعالى: أهذا الذي ذكره من الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذّ، خير ضيافة وعطاء ﴿ أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴾؟ أي: التي في جهنم. وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة، وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له: الزقوم؛ كقوله: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ﴾ [المؤمنون:20]، يعني الزيتونة.
ويؤيد ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١﴾ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴾ [الواقعة:51-52].
الآية (63): ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴾ [سبب النزول]: قال قتادة: ذُكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴾ غذَت من النار، ومنها خُلقت. قلت: ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارًا نختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب؛ كقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء:60].
الآية (64-65): قوله: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴾ أي: أصل منبتها في قرار النار.
﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ تبشيع لها وتكريه لذكرها. وإنما شبّهها برؤوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر.
الآية (66): ﴿ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴾ ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون إلا إياها، وما في معناها. عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية، وقال: «اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟!» [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (67-70): ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴾ قال ابن عباس: يعني: شرب الحميم على الزقوم. وقال في رواية عنه: مزجًا من حميم. وقال غيره: يعني: يمزج لهم الحميم بصديد وغساق، مما يسيل من فروجهم وعيونهم. ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾ أي: ثم إن مردّهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا؛ كما قال تعالى: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ [الرحمن:44]. هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي. ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴾ أي: إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك، من غير دليل ولا برهان؛ ولهذا قال: ﴿ فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ قال مجاهد: شبيهة بالهرولة. وقال سعيد بن جبير: يسفهون.
الآية (71-74): يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته، ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم، فأهلك المكذبين ودمرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظَفَّرَهم؛ ولهذا قال: ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴿٧٣﴾ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾.
الآية (75-76): لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مفصلًا، فذكر نوحًا عليه السلام، وما لقى من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة؛ لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نُفرة، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله لغضبه عليهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾ أي: فلنعم المجيبون له، ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ وهو التكذيب والأذى.