حجم الخط:

الآيات (53-61)

الآية (53-54): يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغيّر نعمةً أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11]. قوله: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذّبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسَلَبَهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون، وزروع وكنوز ومَقَام كريم، ونَعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا هم الظالمين.

الآية (55-57): أخبر تعالى أن شرّ ما دبَّ على وجه الأرض هم ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ؛ الذين كلما عاهدوا عهدًا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه ﴿ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام. قوله: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب ﴿ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ أي: نكِّل بهم؛ قاله ابن عباس، ومعناه: غَلّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلًا ليخاف مَن سِواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ قال السُّدّي: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيُصنع بهم مثل ذلك.

الآية (58): يقول تعالى لنبيه : ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ قد عاهدتهم ﴿ خِيَانَةً أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود ﴿ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي: عهدهم ﴿ عَلَىٰ سَوَاءٍ أي: أعلِمْهُم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى عِلمك وعِلمهم بأنك حربٌ لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء؛ أي: تستوي أنت وهم في ذلك؛ عن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله: ﴿ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ أي: على مَهل. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ أي: حتى ولو في حق الكافرين، لا يحبها أيضًا. عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمَد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءً لا غدرًا؛ إن رسول الله قال: «ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يَحِلَّنَّ عُقدة ولا يشدّها حتى ينقضي أمَدُها، أو ينبذ إليهم على سواء» قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عبَسة رضي الله عنه [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني].

الآية (59): يقول تعالى لنبيِّه : ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ يا محمد ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أي: فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قُدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يُعجزوننا؛ كقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [العنكبوت:4]، أي: يظنون، وقوله: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [النور:57].

الآية (60): ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: مهما أمكنكم ﴿ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول وهو على المنبر: «﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» [رواه مسلم]. عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجْر، ولرجل ستر، وعلى رجل وِزر؛ فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال بها في مَرْج -أو: روضة- فما أصابت في طِيَلِها ذلك من المرج -أو: الروضة- كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنَّت شرفًا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرَّت بنهر فشربت منه، ولم يُرِدْ أن يسقي به، كان ذلك حسنات له؛ فهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تَغنِّياً وتعفُّفًا، ولم يَنْسَ حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورياء ونِواء فهي على ذلك وزر» [رواه البخاري]، وسئل رسول الله عن الحُمر فقال: «ما أنزل الله علي فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8] [متفق عليه].

وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم. والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة: عن عُرْوَة بن أبي الجعد البارقي: أن رسول الله قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ تُرْهِبُونَ أي: تُخوِّفون ﴿ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ أي: من الكفار ﴿ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ قال مجاهد: يعني: قريظة، وقال السُّدي: فارس، وقال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون. وهذا أشْبَه الأقوال، ويشهد له قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة:101].

وقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ أي: مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال.

الآية (61): يقول تعالى: إذا خِفْتَ من قوم خيانة فانبذْ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا أي: مالوا ﴿ لِلسَّلْمِ أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة ﴿ فَاجْنَحْ لَهَا أي: فَمِلْ إليها، واقبل منهم ذلك؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله تسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأُخَر.

وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك.