الآية (54): ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يوَدُّ الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا، ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بالحق ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.
الآية (55-56): يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنَّ وعده حقٌّ كائن لا محالة، وأنه يُحيي ويُمِيت وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك، العليم بما تَفرَّق من الأجسام وتَـمَزَّق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار.
الآية (57-58): يقول تعالى مُمتنًّا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ أي: زاجر عن الفواحش ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ أي: من الشُّبَه والشكوك؛ وهو إزالة ما فيها من رجس ودَنَس.
﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى. وإنما ذلك للمؤمنين به والـمُصَدِّقِين الموقنين بما فيه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء:82]، وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [فصلت:44].
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق، فليفرحوا؛ فإنه أولى ما يفرحون به، ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة.
الآية (59): ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن أسلم: نزلت إنكارًا على المشركين فيما كانوا يُحَرِّمُون ويُحِلُّون من البَحَائرِ والسَّوَائبِ والوصايا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ﴾ الآيات [الأنعام:136].
عن مالك بن نضلة قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا قَشِفُ[1] الهيئة، فقال: «هل لك مال؟» قلت: نعم. قال: «من أي المال؟» قلت: من كل المال؛ من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: «إذا آتاك مالًا فَلْيُرَ عليك». وقال: «هل تُنْتَجُ إبلُ قومك صحاحًا آذانُها، فتَعَمَد إلى موسًى فتَقْطَع آذانها، فتقول: هذه بُحُرٌ[2]، وتَشُقُّهَا أو تَشُقُّ جلودها، وتقول: هذه صُرُمٌ[3]، وتُحَرِّمُهَا عليك وعلى أهلك؟» قال: نعم. قال: «فإن ما آتاك الله لك حِلٌّ، وساعِدُ الله أشدُّ من ساعِدِك، وموسى الله أحدُّ من موساك» وذكر تمام الحديث، وهذا حديث جيد قوي الإسناد. [رواه أحمد، وصححه الألباني].
الآية (60): قد أنكر تعالى على من حَرَّم ما أحلَّ الله، أو أحلَّ ما حَرَّم بمجرَّد الآراء والأهواء، التي لا مُستند لها ولا دليل عليها. ثم توعَّدهم على ذلك يوم القيامة، فقال: ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: ما ظنّهم أن يُصنَع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة.
وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾: قال ابن جرير: في تَركِه مُعاجلتَهم بالعقوبة في الدنيا. قلتُ: ويحتمل أن يكون المراد لذو فَضْل على الناس فيما أباح لهم ممَّا خلقه من المنافع في الدنيا، ولم يُحَرِّم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم. ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ بل يحرِّمون ما أنعم الله به عليهم، ويُضَيِّقُون على أنفسهم، فيجعلون بعضًا حلالًا وبعضًا حرامًا. وهذا قد وَقَع فيه المشركون فيما شَرَعوه لأنفسهم، وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم.
الآية (61): يُخبِر تعالى نبيه ﷺ أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته، وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة، وأنه لا يَعزُب عن عِلمه وبَصَره مثقالُ ذرَّة في حقارتها وصِغَرِها في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين؛ كقوله: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:59]، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدَّواب السارحة في قوله: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الآية [الأنعام:38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ الآية [هود:6]. وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف بعلمه بحركات الـمُكَلَّفِين المأمورين بالعبادة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٢١٧﴾ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٢١٨﴾ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ [الشعراء:217-219]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي: إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راؤون سامعون، ولهذا قال ﷺ لَـمَّا سأله جبريل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [رواه مسلم].