حجم الخط:

الآيات (58-61)

الآية (58-59): يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول الأرض المقدسة -التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل- وقتال من فيها من العماليق الكفَرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ ، والصحيح أن هذه البلدة هي بيت المقدس وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: 21].

قوله: ﴿ سُجَّدًا أي: شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال. وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قال: رُكَّعًا من باب صغير. وقوله: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ : قال ابن عباس: مغفرة، استغفِروا. وقال الحسن وقتادة: أي احطُطْ عنا خطايانا. ﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ : هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات، وضاعفنا لكم الحسنات. وحاصل الأمر: أنهم أُمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «قال الله لبني إسرائيل: ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ فبدَّلوا، ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، فقالوا: حبة في شعرة» [رواه البخاري]. وعن عبد الله بن مسعود: وقيل لهم: ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فدخلوا مُقْنِعِي رؤوسهم، أي: رافعِي رؤوسهم خلاف ما أُمروا. والحاصل أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدا، فدخلوا يزحفون على استاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولو: احطط عنا ذنوبنا، فاستهزؤوا فقالوا: حنطة في شعرة. وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرّجْز يعني به العذاب. وقال أبو العالية: الرجز الغضب. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.

الآية (60): يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى عليه السلام حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حَجَر يُحمل معكم، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينًا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المنِّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبَعْتُه لكم بلا سعي منكم ولا كَدّ، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتُسلَبُوها.

الآية (61): يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المنَّ والسلوى، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلًا، واذكروا دَبَرَكُم وضجركم مما رزقتكم، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيّة من البقول ونحوها مما سألتم. وقال الحسن البصري: فبطروا ذلك ولم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل وفوم، فقالوا: ﴿ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا والبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة. وأما «الفوم» فقد اختلف السلف في معناه، فوقع في قراءة ابن مسعود «وثومها» بالثاء، وكذلك فسَّره مجاهد والربيع بن أنس، وسعيد بن جبير، وقال آخرون: الفوم: الحنطة، وهو البُر الذي يُعمل منه الخبز. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: الفوم: الحنطة بلسان بني هاشم. وقال البخاري: وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم. وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيّة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا المراد مصر من الأمصار، كما روي عن ابن عباس وغيره، لأن موسى عليه السلام يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه وجدتموه، فليس يساوي -مع دناءته وكثرته في الأمصار- أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ أي: ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه، لم يُجابوا إليه.

يقول تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي: وُضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، مَنْ وجدَهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء مُستكينون. قال الحسن: أذلهم الله فلا منَعَة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. ولقد أدركتهم هذه الآية وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية. وقوله تعالى: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله. وقال ابن جرير: يعني بقوله ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ : انصرفوا ورجعوا. فمعنى الكلام إذًا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به -من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم- بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع -وهم الأنبياء وأتباعهم- فانتقصوهم حتى أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا. وفي الحديث المتفق على صحته أن رسول الله قال: «الكبر بطر الحق، وغمط الناس». ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله وقتل أنبيائهم، أحل الله بهم بأسه الذي لا يُرَدّ، وكساهم ذلًا في الدنيا موصولًا بذُلّ الآخرة جزاء وفاقًا. وقوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ هذه علة أخرى في مجازاتهم بما جُوزوا به: أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به.