الآية (59-60): ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا ﴾ يعني: إذا بَلَغَ الأطفال الذين إنَّما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بَلَغُوا الـحُلُمَ، وَجَبَ عليهم أن يستأذنوا على كلِّ حال، يعني بالنِّسبَة إلى أجانبهم، وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. قال يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رَبَاعِيًّا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بَلَغَ الـحُلُم فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير. وقال في قوله: ﴿ كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ يعني: كما استأذن الكِبَار من وَلَدِ الرَّجُل وأقاربه. وقوله: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ قال سعيد بن جُبَيْر ومُقَاتل ابن حَيَّان وقتادة والضحاك: هنَّ اللَّواتي انقطع عنهن الحيض، ويَئِسْنَ من الوَلَد، ﴿ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا ﴾ أي: لم يَبْقَ لَـهُنَّ تَشوُّف إلى التزويج، ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ أي: ليس عليها من الـحَرَج في التَّسَتُّر كما على غيرها من النساء. قال ابن مسعود: ﴿ ثِيَابَهُنَّ ﴾ قال: الجلباب، أو الرِّدَاء: وكذا رُوي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وغيرهم. وقال سعيد بن جبير: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ يقول: لا يَتَبَرَّجْنَ بوَضْع الجلباب، أن يُرى ما عليها من الزينة. وقوله: ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ أي: وتَرْك وَضْعِهِنَّ لِثِيَابِهِنَّ -وإن كان جائزًا- خير وأفضل لهنَّ ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.
الآية (61): اختلف المفسرون -رحمهم الله- في المعنى الذي رُفِعَ من أَجْلِهِ الـحَرَج عن الأعمى والأعرج والمريض ههنا؛ فقال عطاء الـخُرَاسَاني وعبد الرحمن بن زيد: نَزَلَت في الجهاد؛ أي: أنهم لا إِثْم عليهم في تَركِ الجهاد؛ لضَعْفِهم وعَجْزِهم. وقيل: المراد ههنا أنهم كانوا يَتَحَرَّجُون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يَرى الطعام وما فيه من الطَّيِّبَات، فربَّما سَبَقَه غيره إلى ذلك، ولا مَعَ الأعرج؛ لأنه لا يَتَمَكَّن من الجلوس، فيَفْتَاتُ عليه جَلِيسُه، والمريض لا يَسْتَوْفي من الطعام كغيره، فكَرِهُوا أن يُؤَاكِلُوهم لئلا يَظلِمُوهم، فأَنْزَل الله هذه الآية رخصةً في ذلك. وهذا قول سعيد بن جبير ومِقْسَم. وقال الضحاك: كانوا قبل الـمَبْعَث يَتَحَرَّجُون من الأكل مع هؤلاء تَقَذُّرًا وتَقَزُّزًا، ولئلا يَتَفَضَّلُوا عليهم، فأَنْزَلَ الله هذه الآية.
وقال السُّدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه فتُتْحِفُه المرأة بالشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن رَبَّ البيت ليس ثَمَّ. فقال الله تعالى: ﴿ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾، إلى قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ﴾. وقوله: ﴿ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾ إنما ذَكَر هذا -وهو معلوم- ليعطفَ عليه غيره في اللفظ، وليُسَاويه ما بعده في الـحُكْم. وتَضَمَّن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم يَنُصَّ عليهم. ولهذا استدلَّ بهذا من ذَهَب إلى أنَّ مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنت ومالك لأبيك» [رواه أحمد وأو داود وابن ماجه، وصحح إسناده أحمد شاكر].
وقوله: ﴿ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ هذا ظاهر. وقد يَسْتَدِلُّ به من يُوجِب نَفَقَة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنهما. وأما قوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ فقال سعيد بن جُبَير والسُّدِّي: هو خادم الرجل من عَبد وقَهْرَمان، فلا بأس أن يأكل ممَّا استودعه من الطعام بالمعروف.
[سبب النزول]: عن عائشة قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ﷺ، فيدفعون مفاتحهم إلى ضُمَنائهم، ويقولون: قد أَحْلَلْنا لكم أن تأكلوا ما احتَجْتُم إليه. فكانوا يقولون: إنه لا يَحِلُّ لنا أن نأكل؛ إنهم أَذِنُوا لنا عن غير طِيْب أنفسهم، وإنما نحن أُمَنَاء. فأَنْزَل الله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾.
وقوله: ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا عَلِمْتم أن ذلك لا يَشُقُّ عليهم، ولا يَكرَهون ذلك. وقال قتادة: إذا دَخَلْت بيت صَديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه.
وقوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ﴾ [سبب النزول]: قال ابن عباس في هذه الآية: وذلك لَـمَّا أنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء:29]، قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يَحِلُّ لأحد مِنَّا أن يأكل عند أحد. فكَفَّ الناسُ عن ذلك، فأَنْزَلَ الله: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ ﴾ إلى قوله: ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾. وكانوا أيضًا يَأْنَفُون ويَتَحَرَّجُون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرَخَّصَ الله لهم في ذلك، فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ﴾. فهذه رُخْصَة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأَبْرَك، كما روي أنّ رجلًا قال للنبيّ ﷺ: إنا نأكلُ ولا نَشْبَع. قال: «فلعلَّكم تأكلون مُتَفَرِّقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يُبَاركْ لكم فيه» [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني]. وقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ﴾ قال سعيد بن جبير والحسن البصري: فليُسَلِّم بعضكم على بعض. وقال جابر: إذا دخلتَ على أهلك فسَلِّم عليهم ﴿ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾. وقال مجاهد: إذا دَخَلْتَ المسجد فقُل: السلام على رسول الله. وإذا دَخَلْتَ على أهلك فسَلِّم عليهم، وإذا دَخَلْتَ بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ لَـمَّا ذَكَر تعالى ما في السورة الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع الـمُتْقَنَة الـمُبْرَمَة، نَبَّه تعالى على أنه يُبَيّن لعباده الآيات بيانًا شافيًا، ليَتَدَبَّروها ويَتَعَقَّلوها لعلهم يَعقِلُون.