الآية (6): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: غَطّوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس:96، 97]، أي: إن من كَتَب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِد له، ومن أضله فلا هادي له.
الآية (7): قال السّدي: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ ﴾ أي: طبع الله. وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه؛ فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر.
والغشاوة هي الغطاء.
الآية (8- 9): لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة، ثم عرَّف حال الكافرين؛ شَرَع تعالى في بيان حال المنافقين.
النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب. ولهذا نبَّه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغترَّ بظاهر أمرِهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار؛ أن يُظن بأهل الفجور خَيْرٌ، فقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ [المنافقون:1]. وقوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله بذلك كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ [المجادلة: 18]؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾، يقول: وما يَغُرُّون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم.
الآية (10): قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام ﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ ﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة:125]. وقوله: ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ وقرئ: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذَبَةً ويكذِّبون بالغيب، يجمعون بين هذا وهذا.
الآية (11-12): الفساد: هو الكفر، والعمل بالمعصية. قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دينه الذي لا يُقْبَلُ من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والرّيب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا. وهذا الذي قاله حسن.
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
الآية (13): وإذا قيل للمنافقين: ﴿ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ أي: كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنَّة والنَّار وغير ذلك، مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ ﴾ يعنون أصحابَ رسول الله ﷺ رضي الله عنهم. والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار.
وقد تولى الله جوابهم في هذه المواطن كلها، فقال: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم. ﴿ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى.
الآية (14- 15): يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿ آمَنَّا ﴾ أي: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومُصانَعة وتقية، ولِيَشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، ﴿ وَإِذَا خَلَوْا ﴾ يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا ﴿ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ قال مجاهد: أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ أي: إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ الآية [الحديد:13]. وقوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتَمَرُّدهم. قوله: ﴿ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دَنَسُه، وعَلاهم رجْسَه، يترددون حيارى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا.
الآية (16): حاصل قول المفسرين: أن المنافقين عَدَلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ ﴾ أي بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال فيهم: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ [المنافقون:3]، أو أنهم استحبُّوا الضلالة على الهدى، كما يكون حال فريق آخر منهم، فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾ أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ أي: راشدين في صنيعهم ذلك.