الآية (62): لما بيّن تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال -نبّه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاءً الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فيما يستقبلونه ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما يتركونه ويُخلّفونه، كما قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس:62] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت:30].
واليهود: أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم. واليهود: من الهَوادة وهي المودة، أو التهوُّد وهو التوبة؛ لقول موسى عليه السلام: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف:156] أي: تُبْنَا، فكأنهم سُمُّوا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودّتهم في بعضهم لبعض. فلما بُعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسُمّوا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم: «أنصار» أيضًا، كما قال عيسى عليه السلام: ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ [آل عمران:52] وقيل: إنهم إنما سُمّوا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها ناصرة، و«النصارى»: جمع نصران، كنَشاوَى: جمع نشوان. وسكارى: جمع سكران. ويقال للمرأة: نصرانة.
فلما بعث الله محمداً ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولاً إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجَر. وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا، وسُمّيت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.
وأما «الصابئون» فأظهر الأقوال أنهم: قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويَقتفونه؛ ولهذا كان المشركون يَنْبِزون من أسلم بـ«الصَّابئ»، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
الآية (63-64): يقول تعالى مُذكّرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل على رؤوسهم ليُقِرُّوا بما عُوهِدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزمٍ وهمَّةٍ وامتثال، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف:171].
و﴿ الطُّورَ ﴾ هو الجبل. وقال الحسن في قوله: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾: يعني التوراة. وقوله: ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي: بطاعة، بعملٍ ما فيه. ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ يقول: اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به.
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكَّد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ أي: توبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
الآية (65-66): ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ يا معشر اليهود، ما حَلّ من البأس بأهل القرية التي عصَت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيَّلُوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشُّصُوص والحبائل والبِرَك قبل يوم السبت، فلما جاءت يومَ السبت على عادتها في الكثرة، نَشِبَتْ بتلك الـحَبَائل والحِيَل، فلم تَخْلُص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة.
فكذلك أعمال هؤلاء وحيَلهم لما كانت مُشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ أذلة صاغرين ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ جعل الله هذه القرية - والمراد أهلها - بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿ نَكَالًا ﴾ أي: عاقبناهم عقوبةً، فجعلناها عبرةً ﴿ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من القرى ﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المراد بالموعظة ههنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال، في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيَّلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم.
الآية (67): يقول تعالى: واذكروا -يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو، بسببها وإحياء الله المقتولَ، وَنَصِّهِ على من قَتَله منهم.
الآية (68-69): أخبر تعالى عن تعنُّت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم. ولهذا لما ضَيَّقوا على أنفسهم ضَيَّق الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت؛ لوقعت الموقعَ عنهم، كما جاء عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، ولكنهم شدَّدوا فَشُدِّد عليهم. فـ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ﴾ ما هذه البقرة؟ وأي شيءٍ صفتها؟ ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ ﴾ أي: لا كبيرة هَرمة ولا صغيرة لم يُلَقِّحْها الفحل، كما قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ﴿ صَفْرَاءُ ﴾ [أي: لونها أصفر][1]، ولهذا أكد صُفرتَها بأنه ﴿ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ﴾: صافية اللون.