حجم الخط:

الآيات (62-74)

الآية (62-65): ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا أي: المكان الذي نَسِيا الحوت فيه، ونُسِبَ النسيان إليهما، وإن كان يُوشَع هو الذي نَسِيَه؛ كقوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22]، وإنما يَخرُج من المالح في أحد القولين. فلمَّا ذَهَبَا عن المكان الذي نَسِيَاه فيه مَرْحَلَةً ﴿ قَالَ موسى ﴿ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا أي: الذي جاوزا فيه المكان. ﴿ نَصَبًا يعني: تعبًا، ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ أي: طريقه ﴿ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ أي: هذا الذي نَطلُب. ﴿ فَارْتَدَّا أي: رَجَعَا ﴿ عَلَىٰ آثَارِهِمَا أي: طريقهما ﴿ قَصَصًا أي: يَقُصَّان أَثَرَ مشيهما، ويَقْفُوَان أَثَرَهما. ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا وهذا هو الخضر عليه السلام كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله . [عن] أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: «إن موسى قامَ خطيبًا في بني إسرائيل فَسُئِلَ: أيُّ الناس أعلم؟ قال: أنا. فعَتَبَ الله عليه إذ لم يَرُدّ العلم إليه، فأَوحَى الله إليه: إِنَّ لي عبدًا بِمَجْمَع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا ربِّ، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حُوتًا، تجعله بمِكْتَل، فحيثما فَقَدْتَ الحوت فهو ثَمَّ. فأخذ حُوتًا، فجَعَله بمِكتَل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يُوشَع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وَضَعَا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في الـمِكتَل، فخَرَجَ منه، فسَقَطَ في البحر، واتَّخَذَ سبيله في البحر سَرَبًا، وأَمسَكَ الله عن الحوت جِريةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاق. فلمَّا استيقظ نَسِيَ صاحبُه أن يُخبرَه بالحوت، فانطلقا بقيّةَ يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ، ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوَزَا المكان الذي أَمَرَه الله به. قال له فتاهُ: ﴿ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قال: «فكان للحوت سَرَبًا، ولموسى وفتاه عَجَبًا، ﴿ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ». قال: «فرجعا يقصّان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مُسجّى بثوب، فسَلَّمَ عليه موسى، فقال الخَضِر: وأَنَّى بأرضِك السلام؟! فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتُعَلِّمني ممَّا عُلِّمت رُشْدًا. ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، يا موسى إني على عِلْم من عِلْم الله عَلَّمَنِيه، لا تَعلمه أنت، وأنت على عِلْم من عِلْم الله عَلَّمَكَهُ الله لا أَعلَمُه. فقال موسى: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قال له الخضر: ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا . فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرّت سفينة فكَلَّمهم أن يَحْمِلُوهم، فعَرَفُوا الـخَضِرَ، فحَمَلُوهم بغير نَوْلٍ، فلمَّا ركبا في السفينة لم يَفْجَأْ إلا والـخَضِر قد قَلَعَ لوحًا من ألواح السفينة بِالقَدُومِ، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول فعمدتَ إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها! لقد جئت شيئًا إمرًا. ﱡﭐ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ، وقال : «كانت الأُولى من موسى نسيانًا» [فذكر الحديث] قال رسول الله : «وَدِدْنَا أن موسى كان صَبَر حتى يَقُصَّ الله علينا من خَبَرِهما» [متفق عليه].

الآية (66-70): يخبر تعالى عن قيل موسى عليه السلام لذلك العَالِم، وهو الـخَضِر، الذي خَصَّه الله بِعِلْم لم يُطْلِع عليه موسى، كما أنه أَعطَى موسى من العلم ما لم يُعِطه الخَضِر. ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ سؤال تَلَطُّف، لا على وجه الإلزام والإجبار. وهكذا ينبغي أن يكون سؤال الـمُتَعَلِّمِ مِن العَالِم. وقوله: ﴿ أَتَّبِعُكَ أي: أَصحَبُك وأُرَافِقك ﴿ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا أي: ممَّا عَلَّمَك الله شيئًا، أَستَرْشِد به في أمري، من علم نافع وعمل صالح. فعندها ﴿ قَالَ الخضر لموسى: ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا أي: أنك لا تقدر على مصاحبتي لِـمَا ترى منِّي من الأفعال التي تُخالِف شريعتك؛ لأني على عِلم من علم الله ما عَلَّمَكه الله، وأنت على عِلْم من عِلْم الله ما عَلَّمَنِيه الله، فكلٌّ مِنَّا مُكَلَّفٌ بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي، ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ، فأنا أعرف أنك ستُنكِر عليَّ ما أنت معذور فيه، ولكنْ ما اطَّلَعْتَ على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطَّلَعْتُ أنا عليها دونَك. ﴿ قَالَ موسى ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا على ما أرى من أمورك، ﴿ وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا أي: ولا أخالفك في شيء. فعند ذلك شارطه الخضر: ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ أي: ابتداءً ﴿ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا أي: حتى أبدأكَ أنا به قبل أن تسألني.

الآية (71-73): يقول تعالى مُخبرًا عن موسى وصاحبه، وهو الـخَضِر، أنهما انطلقا، فركبا في السفينة. وفي الحديث أنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نَوْلٍ -يعني بغير أجرة- تَكْرِمَةً للخضر. فلمَّا استقلَّت بهم السفينة في البحر، وَلـَجَّجَتْ أي: دخلت اللُّجَّةَ، قام الخضر فخَرَقَها، واستخرج لوحًا من ألواحها ثم رَقَعَها. فلم يملك موسى عليه السلام نفسه أن قال منكرًا عليه: ﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا . وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا مُنْكَرًا. فعندها قال له الـخَضِر مُذَكِّرًا بما تقدَّم من الشرط: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يعني: وهذا الصنيع فعلتُه قصدًا، وهو من الأمور التي اشترطتُ معك ألَّا تُنكِرَ عليَّ فيها، لأنك لم تُحِطْ بها خُبرًا، ولَـهَا دَاخِلٌ هو مَصْلَحَةٌ، ولم تعلمه أنت. ﴿ قَالَ موسى: ﴿ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا أي: لا تُضَيِّق عَلَيَّ وتُشدِّد عَلَيَّ.

الآية (74): يقول تعالى: ﴿ فَانْطَلَقَا أي: بعد ذلك ﴿ حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ فلمَّا شاهد موسى عليه السلام هذا أَنْكَرَه أَشَدَّ من الأول، وبادر فقال: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً أي صغيرةً لم تعمل الحِنْث، ولا حَمَلَت إثمًا بعد، فقتلته؟! ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير مُستَنَد لقتله، ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا أي: ظاهر النكارة.