حجم الخط:

الآيات (64-76)

الآية (64): أي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:13].

﴿ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أي: بما يُنزِل من مَطَر السماء، ويُنْبِت من بركات الأرض، فهو تبارك وتعالى يُنزِل من السماء ماءً مباركًا فيُسْكِنه في الأرض، ثم يُخرج به منها أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى.

﴿ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ أي: فَعَلَ هذا؟! وعلى القول الآخَر: يُعْبَد؟!

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ على صحة ما تَدَّعُونه من عبادة آلهة أخرى.

﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في ذلك، وقد عُلِمَ أنه لا حُجَّة لهم ولا برهان؛ كما قال الله: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

الآية (65-66): يقول تعالى آمرًا رسوله أن يقول مُعْلِمًا لجميع الخلق: أنه لا يَعْلَم أحدٌ من أهل السموات والأرض الغيبَ. ﴿ إِلَّا اللَّهُ استثناء منقطع؛ أي: لا يعلم أحدٌ ذلك إلا الله عز وجل ؛ فإنه الـمُنْفَرِد بذلك وحده، لا شريك له؛ كما قال: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ الآية [الأنعام:59]. ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي: وما يَشعُر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة؛ كما قال: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]. عن عائشة قالت: من زعم أنه يَعْلَم [تعني][1] النبي - ما يكون في غَدٍ، فقد أَعظَمَ على الله الفِرْية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [رواه ابن أبي حاتم، وهو متفق عليه بنحوه].

وقال قتادة: إِنَّما جَعَل الله هذه النجوم لثلاث خصلاتٍ: جَعَلَها زينةً للسماء، وجَعَلَها يُهتَدَى بها، وجَعَلَها رُجُومًا للشياطين، فمن تَعَاطَى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حَظَّه، وأضَاعَ نَصِيْبَه وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ له به.

﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا أي: انتهى عِلْمُهم وعَجَزَ عن معرفة وقتها. وقَرَأ آخرون: «بَلْ أدْرَك عِلْمُهُمْ» أي: تَسَاوَى عِلمُهم في ذلك، أي: تَسَاوَى في العَجْز عن دَرك ذلك عِلْمُ المسؤول والسائل. قال ابن عباس: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي: غاب. وقال قتادة: يعني: يُجَهِّلهم ربهم، يقول: لم يَنْفُذ لهم إلى الآخرة عِلْمٌ، هذا قول. وعن ابن عباس: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ : حين لم ينفع العِلْم، وبه قال عطاء الخراساني والسدي: أن عِلْمَهم إنما يُدرك ويَكْمُل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك.

﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا والمراد الكافرون، شاكون في وجودها ووقوعها، ﴿ بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.

الآية (67-70): يقول تعالى مخبرًا عن مُنكري البَعْث من المشركين: أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظامًا ورُفَاتًا وترابًا، ثم قال: ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ أي: ما زِلْنَا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نَرَى له حقيقةً ولا وقوعًا.

وقولهم: ﴿ إِنْ هَٰذَا يعنون: ما هذا الوَعْد بإعادة الأبدان ﴿ إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: أَخَذَه قومٌ عمَّن قبلهم، مِن كُتُبِهم يَتَلَقَّاه بعض عن بعض، وليس له حقيقة. قال الله تعالى مُجِيبًا لهم عمَّا ظَنُّوه من الكُفر وعدم المعاد: ﴿ قُلْ يا محمد لهؤلاء: ﴿ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي: المكذِّبين بالرسل وما جاؤوهم به من أَمْر المعاد وغيره، كيف حَلَّت بهم نِقَمُ الله وعذابه ونكاله، ونَجَّى الله من بينهم رُسُلَه الكرام ومن اتَّبَعَهم من المؤمنين، فَدَلَّ ذلك على صِدْق ما جاءت به الرسل وصحته.

ثم قال تعالى مُسليًّا لنبيِّه : ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: المكذِّبين بما جِئتَ به، ولا تَأْسَف عليهم وتَذْهَب نَفْسُك عليهم حَسَرات.

﴿ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي: في كَيدِك وَرَدِّ ما جِئْتَ به؛ فإن الله مُؤَيِّدُك وناصِرُك، ومُظْهِرٌ دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.

الآية (71-75): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قال الله مجيبًا لهم: ﴿ قُلْ يا محمد ﴿ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ قال ابن عباس: قَرُب - أو: يقرب-. وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي. وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء:51].

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: في إسباغه نِعَمَه عليهم مع ظُلْمِهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يَشْكُرُونه على ذلك إلا القليل منهم، ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ أي: يَعلَم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]. ثم أَخبَر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة -وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه- فقال: ﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قال ابن عباس: يعني: وما من شيء في السماء والأرض؛ كقوله تعالى: ﱡﭐ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: 70].

الآية (76): يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان: أنه ﴿ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ وهم حمَلة التوراة والإنجيل، ﴿ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ كاختلافهم في عيسى وتَبايُنِهِم فيه؛ فاليهود افتروا، والنصارى غَلَوا، فجاء القرآن بالقول الوَسَط الحقِّ العَدْل: أنه عَبْدٌ من عِبَاد الله وأنبيائه ورسله الكرام عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم:34].