حجم الخط:

الآيات (68-73)

الآية (68-69): ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل: البلاغة والنصح والأمانة. ﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ أي: لا تعجبوا أنْ بَعَث الله إليكم رسولًا من أنفسكم ليُنذِرَكم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم، ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم من ذرية نوح، الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لـمَّـا خالفوه وكذبوه، ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً أي: زاد طولكم على الناس بسطة، أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كما قال تعالى في قصة طالوت: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247].

﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ أي: نِعَمَهُ ومِنَنهُ عليكم، ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

الآية (70-72): يقول تعالى مُخبرًا عن تمرُّدهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام: ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ كما قال الكفار من قريش: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]. ولهذا قال هود عليه السلام: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أي: قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رِجْس. وعن ابن عباس: معناه السخَط والغضب. ﴿ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ أي: أتحاجُّوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجةً ولا دليلًا؟! ولهذا قال: ﴿ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه؛ ولهذا عَقَّب بقوله: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أُخَر من القرآن بأنه أرسل ﴿ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴿٤١ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات:41-42]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿٦ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿٧ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة:6-8]. لما تمرَّدوا وعتَوا أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه إلى الهواء، ثم تنكسه على أمّ رأسه فتثلغُ رأسه حتى تُبِيْنَه من جثته؛ ولهذا قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7]. وقال محمد بن إسحاق: فلما عَتَتْ عادٌ على الله وكَذَّبوا نبيّه، وأكثروا في الأرض الفساد وتجبَّروا، وبَنَوا بكل رِيع آيةً عبثًا بغير نَفع، كَلَّمهم هود فقال: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴿١٢٨ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴿١٢٩ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣٠ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:128-131]. ﴿ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٥٣ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ أي: بجنون ﴿ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴿٥٥ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:53-56].

عن الحارث البكري قال [في حديث طويل]: أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوَافِدِ عاد، فقال لي [رسول الله ]: «وما وافدُ عاد؟» -وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه- قلت: إن عادًا قُحطوا فَبَعَثُوا وَافِدًا لهم يقال له: قَيْل، فمَرَّ بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، فلما مضى الشهر خَرَج إلى جبال مَهْرة فقال: اللهم، إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأُفَاديه، اللهم اسْقِ عادًا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سُودُ، فَنُودِيَ: منها اخْتَرْ. فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فَنُودِيَ منها: خُذْهَا رمادًا رِمْددًا، لا تُبقى من عاد أحدًا. قال: فما بَلَغَني أنه بُعِث عليهم من الريح إلا قَدْر ما يَجرِي في خاتمي هذا. حتى هلكوا [رواه أحمد، وحسنه الألباني].

الآية (73): قال علماء التفسير والنَّسب: ثمود، وكذلك قبيلة طَسْم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل، عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مرَّ رسول الله على قُراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع. عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وهو بالحِجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم» [متفق عليه].

﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا، ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به. وكانوا هم الذين سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية.