حجم الخط:

الآيات (7-11)

الآية (7-9): [سبب النزول]: قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يُورّثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يُدلِي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء. فإنه لُحمَة كَلُحمة النسب. وقوله: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ الآية. المعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يَرِثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإنَّ أنفسهم تتشوَّف إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يُعطَون، فأمر الله تعالى - وهو الرؤوف الرحيم - أن يُرضَخ لهم شيء من الوسَط يكون برًّا بهم وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجبرًا لكسرهم واختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين. وقوله: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ الآية، قال ابن عباس: هذا في الرجل يَحْضُره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تَضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيْعَةَ. وقيل: المراد بقوله: ﴿ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ أي: في مباشرة أموال اليتامى ولا يأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا. أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم.

الآية (10): ثم أعلمهم أن من أكل مال يتيم ظلما فإنما يأكل في بطنه نارًا؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج في بطونهم يوم القيامة.

الآية (11): هذه الآية الكريمة والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك.

[سبب النزول]: عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسولُ الله وأبو بكر في بني سَلِمَةَ ماشيَين، فوجَدَني النبي لا أعقل شيئًا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رَش عَلَيَّ، فأفَقْتُ، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [رواه البخاري ومسلم]. وعن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحُدٍ شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالا، ولا يُنْكَحَان إلا ولهما مال. قال: فقال: «يَقْضِي اللهُ في ذلك». قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسولُ الله إلى عَمّهما فقال: «أعْطِ ابْنَتي سعد الثلثين، وأُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك» [رواه أحمد وأصحاب السنن، وحسنه الألباني]. والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يُورث كَلالة. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية. قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوَت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأُنثيين؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسُّب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضِعْفَيْ ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أنه أرحم بهم منهم.

وقوله: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ قال بعض الناس: قوله: ﴿ فَوْقَ زائدة وتقديره: فإن كنّ نساء اثنتين! وهذا غير مُسَلَّم؛ فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله: ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلثا ما ترك. وإنما استُفيد كون الثلثين للبنتين مِن حكم الأختين في الآية الأخيرة. وإذا ورث الأختان الثلثين فلأَنْ يرث البنتان الثلثين بطريق الأَولى والأحرى. وقد تقدم في حديث جابر أن رسول الله حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ فلو كان للبنتين النصف أيضًا لنصَّ عليه، فلما حكم به للواحدة على انفرادها دل على أن البنتين في حكم الثلاث. وقوله: ﴿ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ إلى آخره، الأبوان لهما في الإرث أحوال: أحدها: أن يجتمعا مع الأولاد، فيُفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فُرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب. الحال الثاني: أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيُفرض للأم الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضِعفَي ما فُرض للأم، وهو الثلثان. الحال الثالث: وهو اجتماعهما مع الإخوة، سواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيُفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي. وقوله: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ أضرُّوا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك. وقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية.

وقوله: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ أي: إن النفع متوقَّع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر؛ فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث.

وقوله: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي: هذا الذي ذكرناه - من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض - هو فرض من الله، اللهُ حكم به وقضاه، وهو العليم الحكيم، الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلًا ما يستحقه بحسبه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا .