الآية (7-8): ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ﴾ أي: ذليلة أبصارهم ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ ﴾ وهي: القبور ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ أي: كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابةً للداعي ﴿ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ في الآفاق؛ ولهذا قال: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ أي: مُسْرعين ﴿ إِلَى الدَّاعِ ﴾ لا يُخَالفون ولا يَتَأخرون.
﴿ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ أي: يوم شديد الهول عَبُوس قَمْطَرِير ﴿ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ [المدثر:9-10].
الآية (9-17): يقول تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا ﴾ أي: صَرَّحُوا له بالتكذيب واتَّهَمُوه بالجنون، ﴿ وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴾ قال مجاهد: ﴿ وَازْدُجِرَ ﴾ أي: اسْتُطِيرَ جُنُونًا. وقيل: أي: انتهروه وزَجَرُوه وأَوْعَدُوه: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾ [الشعراء:116]. قاله ابن زيد، وهذا مُتَوَجِّهٌ حَسَن.
﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾ أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم ﴿ فَانْتَصِرْ ﴾ أنت لدينك.
قال الله تعالى: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ قال السُّدِّي: هو الكثير ﴿ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ﴾ أي: نَبَعَتْ جميعُ أرجاء الأرض، حتى التنانير التي هي محال النيران نَبَعَتْ عيونًا ﴿ فَالْتَقَى الْمَاءُ ﴾ أي: من السماء والأرض ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي: أَمْرٍ مُقَدَّر. قال ابن عباس: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾: كثير، لم تُمْطِر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده، إلا من السحاب؛ فُتِحَتْ أبواب السماء بالماء من غير سحابٍ ذلك اليوم، فالتقى الماءان ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾. ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دِسَار، ويُقال: دَسِير، وقال مجاهد: الدُّسُر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صَدْرُها الذي يَضْرِب به الموجُ. وقال الضحاك: الدُّسُر: طَرَفُها وأَصْلها. وقال العَوْفي، عن ابن عباس: هو كَلْكَلُها. وقوله: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بأَمْرِنَا بمَرْأًى مِنَّا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴾ أي: جزاءً لهم على كُفرهم بالله وانتصارًا لنوح عليه السلام. وقوله: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ قال قتادة: أَبْقَى الله سفينة نوح حتى أَدْرَكَها أوَّل هذه الأمة. والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن؛ كقوله تعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿٤١﴾ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ [يس:41-42]، وقال: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة:11-12]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ أي: فهل من يَتَذَكَّر ويَتَّعِظ؟!
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قرأتُ على النبي ﷺ: (فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ) فقال النبي ﷺ: ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ أي: كيف كان عذابي لمن كَفَر بي وكَذَّب رُسلي ولم يَتَّعِظْ بما جاءت به نُذُري، وكيف انتصرتُ لهم، وأَخَذْتُ لهم بالثأر.
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ أي: سَهَّلنا لفظه، ويَسَّرنا معناه لمن أراده، ليَتَذَكَّر الناس؛ كما قال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص:29]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴾ [مريم:97]. قال مجاهد: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ يعني: هَوَّنَّا قراءته. وقال السُّدِّي: يَسَّرْنا تلاوته على الألسن. وقال ابن عباس: لولا أن الله يَسَّرَه على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يَتَكَلَّم بكلام الله عز وجل. قلتُ: ومن تَيْسِيره تعالى على الناس تلاوةَ القرآن ما تقدم[1] عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ أي: فهل من مُتَذَكِّر بهذا القرآن الذي قد يَسَّر الله حفظه ومعناه؟! وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من مُنْزَجِر عن المعاصي؟! وعن مَطَر الوراق في قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾: هل من طالب علم فَيُعَان عليه؟! وروي عن قتادة مثله.
الآية (18-22): يقول تعالى مُخْبِرًا عن عاد قوم هود: إنهم كَذَّبوا رسولهم أيضًا، كما صَنَع قوم نوح، وأنه تعالى أَرسَل ﴿ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ وهي الباردة الشديدة البرد، ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ أي: عليهم. قاله الضحاك وقتادة والسُّدِّي. ﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ عليهم نَحْسُهُ ودَمَاره؛ لأنه يوم اتَّصَلَ فيه عذابهم الدنيوي بالأُخروي.
وقوله: ﴿ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فتَرْفَعُه حتى تُغَيِّبَه عن الأبصار، ثم تُنَكِّسُه على أمِّ رأسه، فيَسْقُط إلى الأرض، فتَثْلَغُ رأسَه فيَبقى جُثَّة بلا رأس؛ ولهذا قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴿٢٠﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٢١﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾.
الآية (23-27): وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذَّبوا رسولهم صالحًا ﴿ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ يقولون: لقد خِبْنَا وخَسِرْنَا إن سَلَّمنا كُلُّنا قِيَادنا لواحد مِنَّا! ثُم تعجَّبوا من إلقاء الوحي عليه خاصةً من دونهم، ثم رَمَوه بالكذِب فقالوا: ﴿ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾ أي: مُتَجَاوِز في حدِّ الكَذِب. ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴾ وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد. ثم قال: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ﴾ أي: اختبارًا لهم؛ أخرج الله لهم ناقةً عظيمةً عُشَرَاء من صَخْرة صَمَّاء طِبْقَ ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به.
ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله صالح: ﴿ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ﴾ أي: انتظر ما يَؤُولُ إليه أَمْرُهم، واصبر عليهم؛ فإن العاقبة لك والنصر لك في الدنيا والآخرة.