حجم الخط:

الآيات (73-79)

الآية (73-74): أَمَرَ تعالى رسوله بجهاد الكفار والمنافقين وَالْغِلْظَةِ عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة؛ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بُعِثَ رسول الله بأربعة أسياف: سيف للمشركين: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5]، وسيف لكفار أهل الكتاب: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وسيف للمنافقين: ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة:73، التحريم:9]، وسيف للبغاة: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]. وهذا يقتضي أنهم يُجاهَدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق. وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن عباس: أَمَره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأَذْهَبَ الرِّفْق عنهم. وقال الضحاك: جَاهِد الكفار بالسيف، واغْلُظْ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم. وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم. وقد يُقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارةً يُؤَاخِذُهُم بهذا، وتارةً بهذا، بحسب الأحوال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ [سبب النزول]: قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبيّ؛ وذلك أنه اقتتل رجلان: جُهَني وأنصاري، فعَلَا الجُهَنيُّ على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مَثلُنا ومَثلُ محمد إلا كما قال القائل: «سَمِّنْ كلبك يأكُلْك»، وقال: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون:8]. فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية [القصة في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله]. ﴿ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ عن أبي الطفيل قال: لَـمَّا أقبَل رسول الله من غزوة تبوك، أَمَر مناديًا فنادى: إن رسول الله أخذ العقبة فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط مُتلثِّمون على الرواحل فغشوا عمارًا، وهو يسوق برسول الله، وأقبل عمَّار رضي الله عنه يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله لحذيفة: «قد، قد» حتى هبط رسول الله ، [فلما هبط] نزل ورجع عمار، فقال: «يا عمار، هل عرفت القوم؟» فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم مُتلثمون. قال: «هل تدري ما أرادوا؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أرادوا أن يُنْفِرُوا برسول الله فيطرحوه». قال: فسارَّ عمارُ رجلًا من أصحاب النبي فقال: نشدتُك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا. فقال: إن كُنْتَ منهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعَذَرَ رسول الله منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنا نُخْبِرُ أنهم أربعة عشر، فإن كنتَ منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وَعَذَرَ ثلاثةً قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ، ولا علمنا بما أراد القوم. وقد كان في حرَّة يمشى، فقال: «إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد»، فوَجَد قومًا قد سبقوه، فلعنهم يومئذٍ.

﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويُمْن سِفَارَتِهِ، ولو تمَّت عليهم السعادة لهداهم الله لِـمَا جاء به، كما قال للأنصار: «ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألَّفَكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟» كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ [متفق عليه]. وهذه الصيغة تُقال حيث لا ذنب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الآية [البروج:8]. ثم دعاهم الله تعالى إلى التوبة فقال: ﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا أي: وإن يستمروا على طريقهم ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا أي: بالقتل والـهَمِّ والغَمِّ، ﴿ وَالْآخِرَةِ بالعذاب والنكال والهوان والصَّغار، ﴿ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ أي: وليس لهم أحد يُسْعِدُهُم ولا يُنْجِدُهُم، ولا يُحَصِّلُ لهم خيرًا، ولا يدفع عنهم شرًّا.

الآية (75-78): من المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه: لئن أغناه من فضله لَيَصَّدَّقَنَّ من ماله، وَلَيَكُونَنَّ من الصالحين. فما وَفَّى بِمَا قَالَ، ولا صَدَق فيما ادَّعى، ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ هذا الصنيع ﴿ نِفَاقًا سَكَنَ ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ إلى يوم يلْقَون الله عز وجل يوم القيامة، عياذًا بالله من ذلك. ﴿ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ الآية، أي: بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم؛ كما جاء عن رسول الله أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» [متفق عليه].

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ الآية، يخبر تعالى أنه ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، وأنه أعلم بضمائرهم، وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدَّقوا منها وشكروا عليها، فإن الله أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى ﴿ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي: يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظَهَر وما بَطَن.

الآية (79): وهذه أيضًا من صفات المنافقين: لا يسلم أحد من عيبهم ولَـمْزِهم في جميع الأحوال، حتى ولا الـمُتَصَدِّقُون يسلمون منهم؛ إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُرَاءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا!

[سبب النزول]: عن أبي مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ الآية [متفق عليه]. ﴿ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ : وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سَخِرَ بهم؛ انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعدَّ للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا؛ لأن الجزاء من جنس العمل.