الآية (76-77): نزلت في كفار قريش همُّوا بإخراج الرسول من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا. وكذلك وقع؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم، بعد ما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلّطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم، وسبى ذراريهم؛ ولهذا قال: ﴿ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا ﴾ الآية؛ أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم: بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب. ولولا أنه رسول الرحمة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ الآية [الأنفال:33].
الآية (78-79): يقول تبارك تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ عن ابن عباس: «دلوكها» زوالها. واختاره ابن جرير. فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة، فمن قوله: ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ وهو: ظلامه، وقيل: غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قوله: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ يعني: صلاة الفجر. قوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [متفق عليه]. قوله: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ﴾ أمرٌ له بقيام الليل بعد المكتوبة. ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل؛ فإن التهجد ما كان بعد نوم. واختلف في معنى: ﴿ نَافِلَةً لَكَ ﴾ فقيل: معناه: أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة. وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيرهُ من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه، قاله مجاهد. قوله: ﴿ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ أي: افعل هذا الذي أمرتك به، لِنُقيمك يوم القيامة مقامًا محمودًا يَحْمَدُك فيه الخلائق كلُّهم وخالقهم، تبارك وتعالى. عن عبد الله ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ «إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجنة كلهم» [رواه البخاري].
الآية (80-81): قال قتادة: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ يعني: المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ يعني: مكة. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وهو اختيار ابن جرير. قوله: ﴿ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ قال الحسن: وعده ربه لَيَنْزِعَنَّ مُلْك فارس، وعِزَّ فارس، وليجعلنه له، ومُلْك الروم، وعِزَّ الروم. وقال قتادة: إن نبي الله ﷺ علم ألّا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكلَ شديدُهم ضعيفَهم. قال مجاهد: ﴿ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾: حجة وبينة. واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه. قوله: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ الآية، تهديد ووعيد لكفار قريش؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع. وزَهَقَ باطلهم، أي: اضمحل وهلك؛ فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء.
الآية (82): يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ -وهو القرآن- أنه ﴿ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: يُذهب ما في القلوب من أمراض؛ من شكٍّ ونفاق، وشرك وزيغ وميل؛ فالقرآن يشفي من ذلك كله. وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدّقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة. وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيده سماعه القرآن إلا بُعْدًا وتكذيبًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن. قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه، ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ إنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه؛ فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
الآية (83-84): يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عَصَمَ الله تعالى في حالتي السراء والضـراء؛ فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية، وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ﴿ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ﴾ قال مجاهد: بَعُد عنا. قلت: وهذا كقوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ [يونس:12]. وبأنه إذا ﴿ مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ وهو المصائب والحوادث والنوائب ﴿ كَانَ يَئُوسًا ﴾ أي: قَنَطَ أن يعود يحصل له بعد ذلك خير؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ [هود:10]. قوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ قال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حِدَّتِه وطبيعته. وهذه الآية تهديد للمشركين ووعيد لهم؛ ولهذا قال: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا ﴾ أي: منا ومنكم، وسيجزي كُلَّ عامل بعمله، فإنه لا يخفى عليه خافية.
الآية (85-87): [سبب النزول]: عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حَرْثِ المدينة، وهو متوكئ على عَسِيب، فمر بقوم من اليهود، وقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح، فقالوا: يا محمد، ما الروح؟ فما زال متوكئًا على العسيب، قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه [متفق عليه]. قوله: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى. والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. [ثم] يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم، فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.