الآية (77-82): ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾ قال ابن عباس يقول: لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام. وقال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام. قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يُذكر بخير. وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم. وقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين. قال الضحاك: السلام والثناء الحسن. وقوله: ﴿ سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴾ مفسر لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم. ﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله؛ نجعل له لسانَ صدْق يُذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك.
﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين. ﴿ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴾ أي: أهلكناهم، فلم يبق منهم عين تطرف، ولا ذِكر لهم، ولا عين ولا أثر، ولا يُعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.
الآية (83-87): قال ابن عباس: ﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴾ يقول: من أهل دينه. وقال مجاهد: على منهاجه وسنته. ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ قال ابن عباس: يعني شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: سليم من الشرك. وقال عروة: لا يكون لعَّانًا. ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: ﴿ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿٨٦﴾ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال قتادة: يعني: ما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم غيره؟!
الآية (88-98): إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم؛ فإنه كان قد أزِفَ خروجُهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، فَهِموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه. ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾. قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم. يعني قتادة أنه نظر في السماء متفكرًا فيما يلهيهم به، فقال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ أي: ضعيف. قال سفيان: يعني: طعين. وكانوا يفرون من المطعون[1]، فأراد أن يخلو بآلهتهم. وقال آخرون: فقال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني: مرض الموت. وقيل: أراد ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى. ولهذا قال تعالى: ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ أي: إلى عيدهم. ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ أي: ذهب إليها -بعد أن خرجوا- في سرعة واختفاء، ﴿ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعامًا قُربانًا لتبارك لهم فيه. قوله: ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴾ قال الفراء: معناه مال عليهم ضربًا باليمين. وقال قتادة: فأقبل عليهم ضربًا باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى؛ ولهذا تركهم جُذاذًا إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون. وقوله: ﴿ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قال مجاهد: أي يسرعون. وهذه القصة ههنا مختصرة؛ فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة مَن فعَل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم عليه السلام هو الذي فعل ذلك. فلما جاؤوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم، فقال: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾؟! أي: أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟! ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ يحتمل أن تكون «ما» مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي»؛ تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر. فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر، فقالوا: ﴿ ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها؛ ولهذا قال: ﴿ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾.
الآية (99-102): يقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم عليه السلام: بعد ما نصره الله على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٩٩﴾ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ يعني: أولادًا مطيعين عوَضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم. قال الله تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام؛ فإنه أولُ ولد بُشّر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل؛ فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات:112]. ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ [الحجر:53]، وقال تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود:71] أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ أي: كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه. وقد كان إبراهيم عليه السلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد «فاران» وينظر في أمرهما. وعن ابن عباس ومجاهد: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ يعني: شبَّ وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل. ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾ قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وَحْي، ثم تلا هذه الآية: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾. وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجَلَدَه وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه. ﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل. وصدق -صلوات الله وسلامه عليه- فيما وعد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿٥٤﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ [مريم:54-55].