الآية (78-81): يُخبِر تعالى أنه لَعَنَ الكافرين من بني إسرائيل من دَهْرٍ طويل، فيما أنزل على داود نبيه عليه السلام وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه. قال ابن عباس: لُعِنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور، وفي الفرقان.
ثم بيَّن حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمَّهم على ذلك لِيُحَذَرَ أن يُرْكَبَ مثل الذي ارتكبوا، فقال: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾. وعن حذيفة ابن اليمان؛ أن النبي ﷺ قال: «والذي نَفْسِي بيده، لتَأمُرُنَّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنَّ عن المُنْكَرِ، أو ليُوشِكَنَّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لَتَدْعُنَّهُ فلا يستجيب لكم» [رواه الترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم مُنْكَرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم].
وعن العُرْس بن عَميرة عن النبي ﷺ قال: «إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شَهِدَها فكَرِهَها -وقال مرة: فأنكرها- كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فَرَضِيَها كان كمن شهدها» [رواه أبو داود، و صحح إسناده أحمد شاكر]. وعن أبي البَخْتَري قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «لن يهلك الناس حتى يَعْذِروا - أو: يُعْذِروا - من أنفسهم» [رواه أبو داود، وصحح إسناده أحمد شاكر].
وعن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: «ألا لا يمنعَنّ رجلًا هَيْبَةُ الناس أن يقول الحق إذا علمه». قال: فبكى أبو سعيد وقال: قد -والله- رأينا أشياء، فَهِبْنَا [رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه الألباني]. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].
وقوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وقوله: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ يعني بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين، التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًا إلى يوم معادهم؛ ولهذا قال: ﴿ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ فسَّر بذلك ما ذمَّهم به.
ثم أخبر أنهم ﴿ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ يعني يوم القيامة. وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي: لو آمنوا حقَّ الإيمان بالله والرسل والفرقان لَـمَا ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه ﴿ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيِه وتنزيله.
الآية (82): قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم. وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء أكانوا من الحبشة أو غيرها.
فقوله: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود ومباهتة للحق، وغَمْط للناس وتَنَقص بحملة العلم. ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتى هَمُّوا بقتل الرسول ﷺ غير مرة وسموه وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ﴾ أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لِـمَا في قلوبهم؛ إذ كانوا على دين المسيح من الرقّة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ [الحديد:27]، وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فَأَدِرْ له خدك الأيسر! وليس القتال مشروعًا في مِلَّتِهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون؛ وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيس وقسّ أيضًا، وقد يُجمع على قسوس. والرهبان: جمع راهب؛ وهو: العابد؛ مشتقٌّ من الرهبة، وهي الخوف؛ كراكب ورُكبان، وفارس وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحدًا وجَمْعُه رهابين؛ مثل قُربان وقرابين، وجُرذان وجَرَاذين، وقد يجمع على رهابنة.
فقوله: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع.
الآية (83): ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف فقال: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ، ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.