الآية (8-9): ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ أي: اجمع بينهم وبينهم، لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة؛ كما قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الطور:21] أي: ساوينا بين الكل في المنزلة، لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل، تفَضُّلًا منّا ومِنّة. ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ أي: الذي لا يُمانَع ولا يُغالَب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك، من شرعك وقدرك. ﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ﴾ أي: فعلها أو وَبالها ممن وقعت منه، ﴿ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ أي: لطفت به ونجّيته من العقوبة، ﴿ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
الآية (10): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار: إنهم يُنَادَون يوم القيامة وهم في غَمَرات النيران يتلظّون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله ما لا قِبَل لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة، التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارًا عاليًا؛ نادوهم نداء بأن مقت الله لهم في الدنيا حين كان يُعرَض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة. قال قتادة: لَمقتُ الله أهلَ الضلالة حين عُرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه وأبوا أن يقبلوه، أكبرُ مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة. وهكذا قال ابن جرير.
الآية (11): ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ قال ابن مسعود: هذه الآية كقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة:28]. وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية. والمقصود: أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ [السجدة:12]، فلا يُجابون. ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووُقفوا عليها، ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنَّكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا يُجابون، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام:27-28] فإذا دخلوا النار وذاقوا مَسّها وحَسِيسها ومقامعها وأغلالها، كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم. وفي هذه الآية تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مُقدّمة، وهي قولهم: ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ أي: قدرتك عظيمة؛ فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتًا، ثم أمتنا ثم أحييتنا، فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا، وأننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، ﴿ فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ أي: فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك؛ لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون. فأُجِيبُوا ألّا سبيل إلى عَودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا.
الآية (12-14): ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تَجْحَدُه وتنفيه، فقال: ﴿ ذَٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾، أي: أنتم هكذا تكونون، وإن رُددتم إلى الدنيا؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام:28]. ﴿ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ أي: هو الحاكم في خلقه، العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، لا إله إلا هو. ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ أي: يُظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومُنشئها، ﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مُشاهَد بالحسّ، من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء. ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾ أي: من هو بصير منيب إلى الله عز وجل. ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
الآية (15-16): يقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها؛ كما قال تعالى: ﴿ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [المعارج:3-4]، وهذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح. قوله: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ﴾ [النحل:2]؛ ولهذا قال: ﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، حذر منه عباده. وقال: يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. وقد يقال: إن يوم التلاق هو يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمل من خير وشر. ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ﴾ أي: ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يُكِنُّهُم ولا يظلهم ولا يسترهم. ولهذا قال: ﴿ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾: أي: الجميع في علمه على السواء. ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ في حديث الصور: أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه، وحده لا شريك له، حينئذ يقول: لمن الملك اليوم؟! ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلًا: ﴿ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ أي: الذي هو وحده قد قَهَر كل شيء وغلبه.